لكن
( استدراك مؤلم )
قراءة فى الديوان الثانى للشاعر عادل عثمان الحجار
بقلم : أحمد حمدى حسن (**)
كنت قد دعيت منذ اكثر من عامين لالقى مداخلة عن الديوان الاول للشاعر
عادل عثمان الحجار والمعنون " بالشوارع طيبة " - وقلت وانا القى المداخلة
اننى تعلمت قبل قراءة الديوان ان ثنائية التضاد بين الأمل واليأس والتفاؤل والتشاؤم
- فعكس الامل دائما هو اليأس وعكس اليأس هو الأمل لكن عادل عثمان الحجار علمنا شيئا
جديدا او معنى جديدا ان عكس الامل هو الامل المفقود وليس اليأس والامل المفقود يتحقق
يوما ما طالت المدة ام قصرت لكنه لا يموت ابدا ! ولا يتحول الى يأس معيق لحركة الانسان
والانسانية .
لكن يبدوا ان شاعرنا يستدرك على هذا المعنى بديوانه الثانى لكن فيعود
به لثنائية الامل واليأس فيموت الامل ويعيش الشاعر فى تابوت ويشرق النيل ذاته ويرحل
الابن عن حضن الام ميتا .
وقد سبق وقلنا فى المقال السابق بالنص فى حقيقة الامر لم يتغلب اليأس
على شاعرنا الحبيب الا فى مرة واحدة وهى فى قصيدته " تور واندبح " التى تحكى
لنا العوز والحرمان ونهايته بالموت المأساوى
ولكننا نجد فى استدراكه " لكن "
فى ديوانه الثانى يتأكد معنى الفقر والعوز والحرمان والجوع فى اكثر من قصيدة
وكانه عودة الى اليأس مرة اخرى بعد ان تغلب عليه الشاعر فى الديوان الاول بل ان حديثه
عن الموت كان واضحا جدا فى هذا الديوان الاستدراكى لكن ففى اول قصيدة يظهر الخوف والزيف
والجوع الكافر وكأن الشاعر يعيش فى تابوت ويموت وينضح موته حبر على الكراس - وفى قصيدته
يا سيدى ينهيها بمنتهى اليأس باعتذارة لاولى القبلتين -وكذلك فى قصيدته على الاحداث
بين مصر والجزائر يعتقد فى النهاية انهم حالفين ميفوقوش - وفى قصيدة ونسيتك متقولى
راح اعمل ايه فيك متكفن بحبابى عنيك - وفى قصيدة العنوان لكن يوضح الشاعر ابنك رحل
عنك لكن يا انت يا موته وعلى المدبح كلها ياس - ابن الناس كلها ندب على الطبقة الوسطى
المتأكلة - ازاى تجابه الفقر والحرمان - خمسة مية تتحدث عن انقلاب وانفلات الموازين
ولاسيما الموازين الاقتصادية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية - كفر الهنادوة يسودها الامل ولكن تمحوها قصيدة
عزبة فكيهة الممتلئة باليأس والندب على حال الوطن - الا ان تاكيد اليوم الثامن كان
على الامل المستحيل .
ولى تعليق على قصيدتى يا جوهرة ورحلة نور وهى ان الشاعر وجه الاهداء
هذه المرة لابوه وليس لامه وهى الوطن كما فى الديوان الاول فتغلب شكر الرجال النماذج
والاعتراف بجميلهم على هذا الديوان.
لقد بدا لنا انه من ابرز ادوات الشاعر عادل عثمان الحجار استخدامه
للخيال البصرى البسيط المتعلق بالنور وكل مشتقات معانيه كالعين والشوف والشمس والفجر
والنهار والقمر وعلاقته الصراعية بالظلام والليل و العمى ففى اول قصيده له فى الديوان
نجد الابيات عند ذروتها تنشد / فيها اية لو تضحك تانى الشمس ؟ والقمرة تغنى .. فى الليل
موال ...ولا عينه بتيجى على عنيك ولا بتشوف – وعنيك بتطوف وتطوف تتمنى تشوف . وتلاقى
الطير مش عارف الفرق ما بين الصبح وبين الليل وفى القصيدة الثانية " نطق الهلال
" نطق السكات والنور طلع م الشرنقه النور جميل لو انه فى بداية المطاف – شفته
شاف/ النور كموج البحر معرفش الحدود وبيقتلع كل السدود حفظ الجميل للنور على وجه الحياة
رغم العواصف والغيوم رغم الشتا رغم الخريف رغم الخناجر فى الظلام – ح تكون حياة بتقول
صباحك لسه جى
وفى القصيدة الثالثة "يا سيدى " وعيون زمانك غرقانين جوا
العمى وان فتحت بتشوف هموش .... والفجر خاف مين اللى شاف وفى القصيدة الرابعة يا امتى
اياك مرة تنطقى / النور جبان لو فيه جبان انت وانا
لما نترجى الشتات يسكن فى عتمة مخنا !والعتمة تهرس رجلها فى النور
يموت لو جانا يخطب ودنا حتى الشعاع بيموت غريق م العتمة فوقى واخرجى هاتى الصباح وفى
القصيدة الخامسة يا زارع الموت والخراب يا مرتع الغيم والضباب ويغنى فى عيون طياريك
فتح عنيك / شوف مين قبالك واجب علينا الاحترام لاهل الكتاب من غير غيوم ولا ضباب اللى
يحاول يوم يشوف نور الحقيقة المنجلى تغريه بالبان الابل مين اللى غمض لك عنيه ؟ رغم
الضباب رغم الضلام والليل بيتدارى ف زحام الشمس زاحفة للامام ولا حد يملك ردها
وفى مطلع القصيدة السادسة البساط لاخضر بيضوى – مين بايده يعيشوا
ليلهم /ميشفوش ؟ اطمسوا خالص عقولهم احولوا يللا عيونهم تبقى عين القلب عورة ونرى ان
القصيدة السابعة الصغيرة قد شذت وكذلك القصيدة الثامنة وفى القصيدة التاسعة فليه تستنى
من غيرك شروق الشمس وليه بنغنى موالك بتخرسنا غيوم الامس – حياتى خديها من فضلك وكونى
للنهار الجاى امل ونجاة وفى القصيدة العاشرة القصيرة جدا والحكيمة جدا تخلو من الخيال
البصرى حول النور اما تمر حنة القصيدة الحادية عشر ايده عايزة تطفى شمسك شايفة قلب
الفجر قادر حالفة تعمى عيون بهية ناحية الغيم اللعين وفى القصيدة الثانية عشر فى
خاتمت معناها مانا شفت نبض الكل منساق على المدبح وفى القصيدة الثالثة عشر واوعاك تسمع
صوت الفجر وما النور بيشقق ابعد وما تشوف الضلمة تناور اوعى تشاور واحمد ربك لو مسموحلك
تحلم ان النور بيعم . وفى القصيدة الرابعة عشر غمت عينى فى الليالى السود والحقيقة
بتنجلى مهما الضلام كان ليل حويط – الشمس تشرق بالدفا لمسة وفا – مشتاق اشوف بعنية
ف ادها شمس تجيب شموس اما فى قصيدته خمسة مية
فى مطلعها يا نهار ابيض ثم يا نهار ازرق لما تعمى عيون بهية لما كل الليل علينا
وفى القصيدة السادسة عشر بسمة نهار شروقه اللى جاى راح احضن نهارى راح اعشق قمر باشوف
الفنار وقادر يشوف وتشرق بحوثها كمليون نهار
باشوف كل كونى بيعشق جنوبى لشوف الحقايق يساعد ادين النهار اللى
سايق واشوف النهار اللى سايق بيفرح والخاتمة ونقدر نشوف وفى القصيدة السابعة عشر اليوم
الثامن فى مفتتح ولى النهار – شمس وعتمة واكبر صدمة – والنور مدحور وضلام مجنون –اغسل
عينك لجل تشوف فى الليل الجاى تصنع كل اللى ملوش زى بقعة نور ف ستار الليل – وامشى
فى الضلمة وناسى لجل اشوف وامد ايدى – يا شموس الحق سودى – وما قدرنا نغمى العين اللى
بتتبصص –وفى الخاتمة هذا التاكيد وان الضى ورغم العتمة حيفضل ضى وعندما اختار الشاعر
وصف لمصطفى محمود اختار وصف يضوى وهو جوهرة فى القصيدة التاسعة عشر الشمس تسطع فى المدى
اما فى القصيدة العشرون فان رحلة نجاح زويل تصبح كلها رحلة نور – وفى القصيدة الواحد
والعشرون يوضح الشاعر نفسه اكثر بقوله حلمى اللى مكتوب من حروف من نور ونار – وفى الخاتمة
بينشر النور والامل اما فى عزبة فكيهة ونور الحقيقة بيصبح لبان يا غاوى اللبان تجيك
الحقيقة جلية ورقيقة بعينك تشوفها يدوبك سراب وغيم او ضباب – ولا عينى حتبقى ثوانى
لعنيك تغمى بايدك عنيه وعاوز بعينك اشوف
وهذا المخيال المعتمد على ثنائية النور والظلام ليس جديدا على شاعرنا
ففى ديوانه الاول الشوارع طيبة وظف هذا خير توظيف فى ايصال المعنى الكلى للديوان وقد
عبرنا عنه فيما سبق من خلال مقالنا النقدى بعنوان "بين الضلمة وبين النور
" (*)معزوفة الأمل المفقود عن حب الوطن قراءة فى الديوان الاول للشاعر عادل عثمان
الحجارو المعنون بالشوارع طيبة
حيث قلنا فى بدايته تسعة عشر معزوفة شعرية فى حب بهية ( الاسم الشعرى
لمصر ) تدور حول جدل النور / الظلام ، حيث
الامل دائم فى عودة النهار بفجره وشمسه ونوره فى ظل ليل طويل يخيم على الوطن ، لم يستسلم
شاعرنا لليأس ، فاليأس لا يكون للاوطان ، اليأس جريمة لا تغتفر فى حق الاوطان ، فمادامت
فينا روح حية لا يأس من تقدم بلادنا ، حتى لو كان الامل مفقود فى اللحظة الحاضرة ،
فلابد وان بلادنا ستخرج يوما ما من ليلها الذى طال (1) ، ذلك اليأس الذى يكون مدعاه
للهروب من الوطن اما باللامبالاة والسلبية و العزوف عن المشاركة فى صناعة الوطن و الاستسلام
لالامه والانكباب على الذات بشكل انعزالى ونرجسى او بالغرق فى البحر المتوسط من اجل
الهروب من الالام الوطن وجراحه ، وفى مذكرات احد الغارقين يقول لى :
يا مصر ليه ليلك طويل
(2) والعمر مهما كان قصير
سبينى انوى الرحيل
واشوفلى شمس واصيل
لكن عادل يؤكد لنا مرارا ان النهار سوف يأتى وان نور شمسه سيعمنا
كلنا و المسأله كلها لعبة زهر ، فالنور عندما ياتى سينسينا طعم المرار اثناء الظلام
، فالامل موجود واذا كان مفقود فى اللحظة الحالية ، الا ان اليقين بان النور سيأتى
وهو ثقة فى الوطن ذاته موجود بشدة فى الديوان . الغريبة ان تأكيد عادل اتضح فى ثورة
25 يناير خير اتضاح وكانه كان يتنبأ بالثورة .
(**) باحث
دراسات عليا فى كلية الاداب – جامعة القاهرة – عضو الجمعية الفلسفية المصرية .
(*)
عنوان مسروق من قصيدة لعبة زهر فى ديوان الشوارع طيبة
ص(50)
(1) انتابت
مصر فيما مضى لحظات ليل طويلة جدا فالاستعمار الرومانى مثلا دام اكثر من 600 سنة .
(2) فى قصيدة
انا مش باحبك ص 15 يقول الشاعر ساءلنا مصر
ما تقولى ليه ليلك طويل ؟
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق