إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 19 يوليو 2022

السيد كوجيتو يدافع عن نفسه · الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت بعيون فلسفية

                                      السيد كوجيتو يدافع عن نفسه

·       الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت بعيون فلسفية



بقلم : احمد حمدى حسن حافظ

" ان صراع الفلسفة و الشعر هو صراع جوهرى أبدى فى نفس كل مفكر " أفلاطون (1)

لقد كانت ولا تزال حيرة الفلسفة إزاء الفن اشد بكثير من حيرتها إزاء العلم . ويبدوا ان الفلسفة لا تعرف الا الحيرة و المعاناة و تقطير الألم الصافى على حد قول أحد دارسى الفلسفة فى جامعة ويثروا Warsaw الشهيرة اذ قال " كل محاولات التجنب , تسمى كأس الألم الشديد , بالجهد العقلى , الحملة المسعورة لمصلحة القطة الضالة " وعلى حد ما يفهم من ترجمتى المعتلة لأبيات هذا الشاعر العميقة : ان الفلاسفة يتجنبون الحقيقة الواضحة ويتفادونها ويشككوا فيها دائما , ويمارسون جهد عقلى كبير من أجل الحصول عليها مرة ثانية , لاعتقادهم ان الجمع والاجماع والاتفاق دائما على ضلال , ودورهم بجهدهم العقلى أخراج هذا الجمع من الضلال الذى هو فيه كـ" قطة ضالة " .

لقد كان هذا الرأى هو رأى الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت  Zbigniew Herbert         (1924 – 1998) فى قصيدته الذى اتخذت عنوان " السيد كوجيتو يعكس معاناته " , والسيد كوجيتو هو تجسيم وتشخيص لفكرة وعبارة الكوجيتو المركزية , و المؤسسة للفلسفة الغربية الحديثة ككل , وهى ظهرت عند أبو الفلسفة الحديثة الفيلسوف الفرنسى رنيه ديكارت , اذ تتأسس تلك العبارة ( الكوجيتو ) على حالة عارمة من الشك أنتابت الفيلسوف , فاخذ من خلالها يدرك انه يشك , والشك بدوره نوع من التفكير , اذن هو يفكر , ومادام هو يفكر فهو يستشعر وجوده أثناء ذلك التفكير, لذا خرجت العبارة الكوجيتو تنص على " أنا أفكر  أنا موجود " (2) و الكوجيتو فضلا عن أنه تأسيس الوجود على الفكر بما يعنى ذلك من مثالية , يعبر بشكل خاص عن الدعوة للشك  , وما يستتبع ذلك  من حيرة ومعاناة وألم نفسى رهيب وهو ما يعبر عنه زبيجنيف بالتجنب و التفادى للحقيقة الواضحة و السعى وراء انكارها و الذى لا يستجلب سوى الألم الشديد .

الا أن ما يستوجب ان نشير إليه هنا , هو ان السيد كوجيتو وهو السيد زبيجنيف نفسه , أى هو الفيلسوف والشاعر فى آن واحد , يحاور ويتأمل نفسه وليس شخص غريب عنه , فالقصيدة مبنية على حوار للنفس مونوديالوج , يتأمل فيه السيد كوجيتو ذاته وموقفه و  معاناته , ويقوم بفصل ذاته عن نفسها موجها اليها ارشادا وتوجيها هاما . فالخطاب فى هذه الحالة ليس خطابا شعريا بحتا , لان السيد كوجيتو عندما يخاطب نفسه سيكون الخطاب فلسفيا وكذلك فلا يمكننا القول أن الخطاب فلسفيا بحتا تسوده لغة المنطق الصارم بل يعترف بالمشاعر و الاطار الشعرى والفنى . وهذا يذكرنى بقول الدكتورة أميرة حلمى مطر ان الشاعر يعرف جيدا حقيقة ما يتحدث عنه ولكنه كثيرا ما ينتهى فى حديثه الى اللغو وهو ما لم يحدث فى حالتنا هذه عند السيد كوجيتو الفيلسوف , و الفيلسوف يتحدث بمنطق وعمق ولكنه لا يعرف حقيقة ما يتحدث عنه وهو ما لا يتحقق عند السيد زبيجنيف او السيد كوجيتو نفسه الشاعر. أننا هنا أمام خطاب يجسد صراع الشعر والفلسفة فى نفس المفكر الواحد وان كان سينتصر للشعر والفلسفة معا ويحقق وظيفتهما .

فالفيلسوف يملك روح الألم للجهد العقلى المبذول ويقوده ذلك الى العدم الذى ينتفى معه الفعل والحركة والتطور , ولكن الشاعر بداخله يوجهه للاسلوب الذى يتعامل به مع هذا الذى بداخله من ألم , فيقول " أشرب وأستخلص شجيرات الألم , لكن لا تثمل , كن حذرا لتغادر , الجرعات القليلة لأجل المستقبل , وافق عليها , لكن فى نفس الوقت اعزلها عن نفسك , ولو جعلتها ممكنة " انه هنا يحاول أخراج الذبابة من عنق الزجاجة على حد تعبير فتجنشتين -    او ما يسمى بالفلسفة العلاجية  - انه يحاول التغلب على العدم والألم وتنظيمه وليس طمسه كليا , فهو يحث الفيلسوف على اخراج هذا الألم فى فكرة أو شخص (فعل ايجابى بناء ) يشق ظلام العدم والألم لينفع المستقبل فهو يقول" اصنع من فريق المعاناه ,فكرة او شخص " . ويناقش زبيجنيف فى هذا النص أيضا قضية من أهم القضايا , وهى قضية الاحساس بالفخر والتفوق لدى الفلاسفة , ويحاول جرح ذلك أكثر من مرة , ثم يعالج هذا الشعور بالفخر فى اخر القصيدة باللعب , اللعب مع الطفل المريض و الابتسامة والتنكيت أحيانا.

أن هذا النص بالرغم من أنه لم يتوفر لى كاملة بل شذرات منه قد فجر قضية صراع الفلسفة والشعر فى نفس المفكر , وهى قضية هامة أذ انها تناقش علاقة الفلسفة بالفن والتى مرت بالعديد من المراحل التاريخية , الذى سنتحدث عنها لاحقا ,  وعلى حد علمى هناك قصائد أخرى لزبيجنيف بعنوان السيد كوجيتو ؛ وهم السيد كوجيتو و الخيال          Mr. Cogito and the Imagination  وسنقوم بتحليل موجز لها , و رسول السيد كوجيتو The Envoy of Mr. Cogito , ملل السيد كوجيتو The Monster of Mr. Cogito  , اننى أعد أن أعكف على تحليل قصائد السيد كوجيتو لزبيجنيف متى توفرت لى كاملة فالموضوع هام وربما شخصى بالنسبة لكل مفكر يعانى صراع الفلسفة والشعر فى نفسه.

·       ولنتتبع مراحل ذلك الصراع  التاريخي بين الفن عموما  و الفلسفة : (3)

        في نهاية عصر النهضة وبداية عصر التنوير تقريبا ظهرت الاستاطيقا كمبحث فلسفي خاص ، والكلمة استاطيقا  تعنى الخدر التخدير أو حالة السكر والنشوة  الروحية وغياب العقل ، واستخدم الكلمة أول مره في مجال الفلسفة الألماني       باو مجارتن(4).

        والسؤال الذي يتبادر للذهن ما هي الدوافع والمبررات لظهور ذلك المبحث الفلسفي  , ولماذا انتظر الفلاسفة بداية عصر التنوير حتى يخصصوا مبحثا فلسفيا لدراسة الجمال ؟ ألم يتحدث اليونانيون عن الجمال والفن عموما ؟ آلم يحدد ارسطو مباحث الفلسفة دون ذكر لهذا المبحث ؟ هل نسى ارسطو تحديد هذا المبحث ولم يتحدث عنه إلا في الاورجانون  أي أداة العلوم ومنطقها بكتابه الشهير عن الاقيسة الشعرية (الشعر)  كنوع من المنهج المعرفي ؟

        أن الإجابة على ذلك السؤال هي ذلك الصراع الثقافي الذي حدث في تلك الفترة بالتحديد ، الصراع بين العقل ( كسلطة مطلقة متعسفة ) والعاطفة والخيال  فتمثل الفلسفة العقل في الصراع ويمثل الفن العاطفة والخيال .

        لقد أراد باو مجارتن  حصر الفن في قضية واحدة هي الجمال كقيمة ، و الفيلسوف هو الذي يضع المعايير الصارمة التي تحدد الجمال ، وهنا عرف علم الجمال وكلمة علم ليست بمعنى العلم التجريبي , و إنما تعرف الفلسفة كلمة علم بمعنى منهج معياري للحكم على الأشياء ، أما إذا ترجمت الاستاطيقا باعتبارها فلسفة فهي تدل على مناهج أخرى غير المنهج المعياري للتعامل مع قيمة الجمال .

       وباومجارتن هنا  يحاول الفصل بين الفلسفة باعتبارها عقل  والفن باعتباره عواطف , فهو يهمش كل وظائف الفن ولا سيما الدور المعرفي للفن , ويقصر الفن  على التذوق الجمالي فقط ، وهو إنكار لكون الفنان والفيلسوف يشتركان في البحث المعرفي عن الحقيقة ولكن كل منهم يختار منهج مختلف .

      أن تلك الفترة في المجتمع الأوربي عرفت فيها ظاهرة سلوكية شبابية غريبه وهى البوهيمية أو الرومانسية الشعبية فكان الشباب يتمردون على العقل و الأخلاق والمجتمع وكان هؤلاء الشباب يرفضون الفلسفة كتمثيل للعقل يرفضون العلم عموما سواء كان تجريبي أم غير تجريبي ، وكانوا يرون أن الفن بديلا للفلسفة  ويقودون حملة هوجاء ضد العقلانية والفلسفة بالطبع .

       مما جعل الفيلسوف الألماني الشهير كانط يرى أن العمل الفني نشاط حر تماما(5) ،  لعب لا غاية له سواء كانت غاية أخلاقية اجتماعية أو حتى غاية معرفية ، و إنما ما الفن إلا  شيء يحقق لنا لذة ومتعه سواء كانت عقلية أو حسية ويخرج كانط كتابه " نقد ملكة الحكم " و الذي يرى كثير من أساتذة الفلسفة أن مذهب كانط كان مكتمل تماما ولم يكن بحاجة إلى هذا الكتاب لكن خروج هذا الكتاب كان رد فعل للحركة الرومانسية , وفيه تكلم كانط عن الفن كلعب ومتعة عقلية قائمة على التطابق بين النماذج الموجودة في ملكة المخيلة والعمل الفني فيحدث هذا التطابق لذة عقليه ، ولا سبيل الآن للخوض في علم الجمال الكانطى الذي أسس لمفهوم الاستاطيقا كمبحث فلسفي جديد أراد أن يهمش الفن ويحصره في الجمال كقيمه .

        لكن هيجل ذلك الفيلسوف الألماني العملاق كان حديثه اكثر صراحة عندما قال أن الفلسفة قد احتوت الفن وان الفن مرحلة تاريخية سابقه عن الفلسفة تحتويها الفلسفة تماما , بالفعل تحدث هيجل عن نهاية الفن وبداية الفلسفة .

         وكانت تلك الفترة هي فترة النقد الكلاسيكى بحق وهو النقد المعتمد على المنظور والنسب وما إلى ذلك من الأفكار الرياضية القديمة ، برغم أن هيجل عاصر سيطرة النقد القصدي الرومانسي الذي يؤله الفنان وانتقد ذلك بشدة.

         ثم أتى الفيلسوف الألماني نيتشة(6) رائد اللاعقلانية المعاصرة ليحاول إصلاح ما أفسده من قبله من الفلاسفة ، ليرى أن الفلسفة باعث على الفن والفلسفة هي الخلفية الثرية التي تمد الفن برؤى عامة ليعبر الفنان عنها بأسلوبه وبالفعل فنحن نرى خلف كل مدرسة فنية رؤية ما للوجود والحياة كالتكعيبية والسريالية والتأثيرية ...الخ ، وبالفعل كان لما فعله نيتشة دورا كبير في تحريرنا من المنظور الاستاطيقى الجمالي للفن .

         إلا أن تحولات المجتمع الأوربي بفعل تعملق الثورة الصناعية و ظهور مشاكل البرجوازيية الصناعية وتحول الفلاسفة إلى دراسة الاقتصاد وظهور الماركسية والحركات الاشتراكية والعمالية ؛ مما كان له اثر كبير في ظهور ما يعرف بالمدرسة الوضعية التي أسست علم الاجتماع نظريا كرد فعل لعلم الاجتماع الماركسى اذ يتحدث ماركس عن الثورة ويتحدث الوضعيين عن الثبات , واعتبرت الوضعية  أن الفلسفة مجرد تخاريف ميتافيزيقية لا معنى لها وان الوضعية هي الفلسفة كعلم حقيقي قائمة على تحليل مقولات العلم التجريبي  ، ونظرت للفن باعتباره محض ظاهرة اجتماعية لا تفسر إلا في ضوء السلالة والبيئة والعصر وهنا ظهر النقد السياقي والمنظور الاجتماعي للظاهرة الفنية و التي تطور فيما بعد لتصبح سوسيولوجيا الفن و التي هي أحد العلوم الناضجة التي تدرس الظاهرة الفنية وتستفيد منها فلسفة الفن في إطار رؤية اكثر شمولا ، وظهرت أيضا في تلك الفترة  تلك المزحة المتمثلة في علم الجمال التجريبي كدراسة كمية تجريبية لا نجد لها تفسير سوى تلك النزعة الطفولية  لمحاكاة العلم التجريبي الطبيعي باعتباره انجح العلوم .

ثم انفعل علماء النفس وقالوا ما الفن إلا ظاهرة نفسية ذاتية سواء اعتمدوا في تحليلهم للعمل الفني على فرويد و اللاوعي والحلم  أو اعتمدوا على الجشتالت و الإدراك والسلوك وما إلى ذلك  مما اصبح اليوم تخصص مختلف مهم يعرف بسيكولوجية الفن  كأحد العلوم الناضجة التي تدرس الظاهرة الفنية وتستفيد منها فلسفة الفن بالضرورة ولكن في إطار نظرة اكثر شمولية.

وعندما ظهرت البنيوية والحق يقال لم تظهر البنيوية هذه المرة في الفلسفة و إنما ظهرت في النقد الأدبي أولا إلا أنها انتقلت لكل العلوم والفنون ، و بدا النظر لكل شيء من الخارج  ، و ازدهر النقد الشكلي إلا أن البنيوية كانت تحمل بداخلها عوامل انهيارها لذا لم تعش كثيرا .

 

والفلسفة الآن تنظر للفن باعتباره قادرا على احتواء الفلسفة كلها , "الفن يحتوى الفلسفة " , وهو المنظور الذى سنتبناه فى هذه الدراسة معتبرين زبيجنيف فنانا فيلسوفا من هذا المدخل

        أن الفلسفة في عصرنا هذا أصبحت تفخر بكونها فنا خالصا  أما تشبه الأدب أو أدب خالص , و تعتمد على التعبير عن أفكارها عن طريق الفن الرمزي الذي يشق طريقه الآن لينتشر وبسرعة بعد ما تخلص الفن من المنظور النخبوى  الذى كان إما يخاطب النخبة الثقافية لانه يحتاج لتفسير المدلولات بغير دلالتها الطبيعية و إنما من خلال علاقاتها الداخلية , أو يخاطب النخبة الأكاديمية المتخصصة لانه يعتمد على ظواهر بنيوية شكلانية  ، لكن الفن اصبح اليوم جماهيريا متميزا بطبيعة ذهنية رمزية , و امتلك وظيفة اكثر أهمية من مجرد وظيفته الجمالية او الاجتماعية او النفسية .

        فالفن اصبح الأداة التي يعبر من خلالها الفيلسوف عن أفكاره وذلك ما تحدث عنه مؤسس الفن الرمزي  جوزيف كوزوف . فالفنان الجيد اليوم هو الذي يقدم فنا يحمل عمقا فلسفيا والفيلسوف الجيد اليوم هو الذي يملك أدوات الفنان ليعبر بها عن فلسفته. وبعد أن خاض الفن معركة التحرر من الدين في عصر النهضة والأخلاق في عصر التنوير فانه يتحرر من الجمال فى عصرنا هذا .

و لا شك ان تجربة الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت فى السيد كوجيتو تصب فى الفلسفة من خلال الفن والفن من خلال الفلسفة وتقدم كل ما هو جديد فى مبحث العلاقة بين الفن والفلسفة , والذى أصبح ولا نبالغ فى ذلك من أهم مباحث الفلسفة فى عصرنا هذا بعد تراجع دور الفلسفة التأسيسى وتحولها للعبة شبه فنية .

·       فلسفة الخيال فى مقابل فلسفة العقل التعسفى  : السيد كوجيتو والخيال :

يتابع الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت نقده لنوع معين من الفلسفة , هذه المرة فى قصيدة " السيد كوجيتو و الخيال " , وبصرف النظر عن ما اذا كان السيد كوجيتو هذه المرة هو الفلسفة بالالف واللام بكل تيارتها , او ان المقصود هنا هو تيار محدد فى الفلسفة يتحيز للعقل بشكل مطلق و يعادى العاطفة والخيال , وهو التيار الذى ظهر مع بداية التفلسف الاوربى الحديث , وهو التيار العقلانى الكلاسيكيى او الديكارتى المنهجى الرياضى , وهو ما ينصب عليه هنا نقد زبيجنيف .

 بصرف النظر عن هذا كله فان الخيال عند زبيجنيف هربرت كان الرحمة المهداة لهذه الانسانيه , اذ به وبه وحده يهرب الانسان من واقعه , وخصوصا ان كان اليما فاسدا , والاهم من ذلك ان الخيال يخلق بداخل الانسان النطاقات والمساحات التى عبرها يتحرك الانسان محققا لاحلامه وطموحاته الخيالية , فان انعدام الخيال كما بدا لزبيجنيف " التسطيح الافقى , الخط المستقيم " هو " المقبرة على الارض " , واذا كانت الفلسفة الديكارتية تخاف من الوهم والضلال وخداع الخيال على حد تعبير زبيجنيف فى قوله " السيد كوجيتو لا يثق ابدا , فى خدع الخيال " , فان نفس هذه الفلسفة تتورط فى الخيال فهى تنادى لفظيا بالبعد عن الخيال ولكنها فى نهاية الامر تبدوا مثالية حالمة خيالية رغم انها لا تعترف الا بالعقل وتنكر الشعور,  هذه الملاحظة هى التى ستنبئنا عنها الدراسات المعاصرة للديكارتية فى كونها تعتبر الديكارتية ارتدت قناع العقل الى ان ما وصلت اليه كان هو الاجماع الدينى المتفق عليه .

ان المتاهة التى يدعو لها الفن لا تقدرها الفلسفة , فهى تكره عدم التناقض المتمثل فى ابو الهول كرأس انسان وجسد حيوان ,  ونقد زبيجنيف لهذا انما هو نقد للعقلانية التعسفية الكائنة فى عدم التناقض كمبدأ منطقى يعارض الواقع وشواهده ويدحض الخيال فى النفس .

وهو يشير الى ان ها هى العقلانية الساذجة التى تخلت عنها الفلسفة بنفسها مع الديالكتيك الهيجلى الذى يسمح بالتناقض ويعتبره اساس للتطور الصاعد النامى للفكر والانسان والواقع , فالرؤية المرأوية رؤية المخيلة والخيال تجسدت فى الديالكتيك .

ومن هنا يتبين لنا ان قصيدة السيد كوجيتو والخيال لا تنقض كل الفلسفة وانما تنتقض نوعا معينا من الفلسفة وتيارا تاريخيا عانى منه الفكر الاوربى كثيرا , وهو العقلانية التعسفية التى انتهت بثورة اينشنتين النسبية عندما اكد على ان " الخيال هام للعلم"  والتى تجدد صحوها فى حركات ما بعد الحداثة الفلسفية , فعندا فى ديكارت يبحث المفكر الفرنسى ميشيل فوكو فى " تاريخ الجنون فى العصر الكلاسيكى" ناقدا تلك العقلانية التعسفية التى حولت من يخالفها لمجنون ينبغى عزله اجتماعيا .

 الخيال هو الذى يحررنا من الرؤية التقليدية الساكنة للاشياء والتى تشبه الموات بفعل التكرار الممل , ان الخيال هو سبب الحركة والبناء فكل واقع ايجابى تحقق كان حلما وخيالا فيما سبق , ومن هنا كانت رحمة الخيال بالانسان عند زبيجنيف . فبعمق قصيدته أسس فلسفة للخيال بأداته المعرفية الشعرية , فلسفة الخيال تصحيح مسار للسيد كوجيتو , الذى مازلت أصر على انه جزء من زبيجنيف نفسه يهمه ويعتنى به ينصحه احيانا ويعدل مساره فى احيانا أخرى , فها هو زبيجنيف او السيد كوجيتو يدافع عن نفسه , ويصحح مساره بتأسيس فلسفة للخيال بحدسه الشعرى , فالفلسفة والشعر قد تعاونا لدى زبيجنيف من أجل تحقيق صالح الانسان بكل بنيات وعيه المختلفة من فكر وشعور .

·       قطرتان و آلهان :

يتميز شاعرنا البولندى بالعمق , فهو يرى السيد كوجيتو . وفى مقطوعته الشعرية قطرتان نلاحظ ذلك العمق , فأذا كان كل شئ من حولنا سيئ ويحترق فأن هذا لا يمنع أكاليل الزهور من ان تنبت وتنشر اريجها العطر فى كل الانحاء , انها رؤية التفاؤل المبنية على منطق الحب فبالحب نبنى ونعمر ونحرر ولا نشعر بالنيران من حولنا وبالفساد فى كل شيئ , بالحب الذى ننسى فيه الخجل , نصبح اكثر ادركا لقدرنا , قدر واحد يجمعنا مع من نحب كقطرتان على حافة وجه العالم المتجهم .

وبنفس العمق فى قطرتان نجد الآله ابللو والآله مارس آله الحرب وآله السلام يتحاوران عند زبيجنيف حوارا دراميا خلابا , ندرك معه ان كلا الالهين , وهم تعبير عن جوانب النفس الانسانية ونزعاتها , ملائكة فى حين يكون ابللو ابيض كاملا , فان مارس ملاك ليلى ولهذه القصيدة انعكاسا سياسيا فهى توضح موقف من الحرب من أجل التحرير والقيم النيبلة امتلكه عضو فعال من اعضاء حركة التحرير البولندى المسلحة .

ان هذين المقطوعتين الشعريتين هم أدلة دامغة على عمق فلسفى لشاعر لا يستخدم الشعر للتعبير عن ظاهر الامور وشكليتها ووضعيتها الكائنة ,  لكنه يعلمنا الرؤية النقدية فى شعره , والحوار الغير مستقطب , الحوار البناء الايجابى مركزا على ضبط الاداء  , اداء الانسان وممارسته محققا بذلك وظيفة الفن , ورادما الفجوة بين المعرفة و التطبيق , بين النظر كما يتمثل فلسفة والعمل كما يتمثل ممارسة واداء , رادما الفجوة بين الثقافة والتنمية فهو شاعر هام فى مجال تنمية الانسان داخليا وخارجيا , هكذا دافع السيد كوجيتو عن نفسه هكذا قال زبيجنيف كلمته الفعالة , هكذا اسفر الصراع بين الشعر والفلسفة فى نفس زبيجنيف.

النصوص الشعرية للشاعر البولندى

زبيجنيف هربرت

التى اعتمدت عليها هذه الدراسة

مترجمة بالعربية بواسطة الباحث

MR COGITO REFLECTS ON SUFFERING

By: Zbigniew Herbert

All attempts to avert

the so-called cup of bitterness—

by mental effort

frenzied campaigns on behalf of stray cats

breathing exercises

religion—

let you down

you have to consent

gently bow your head

not wring your hands

use suffering mildly with moderation

like a prosthetic limb

without false shame

but without pride also

don't brandish your stump

over other people's heads

don't knock your white cane

on the panes of the well-fed

drink an extract of bitter herbs

but not to the dregs

be careful to leave

a few gulps for the future

accept it

but at the same time

isolate it in yourself

and if it is possible

make from the stuff of suffering

a thing or a person

play

with it

of course

play

joke around with it

very solicitously

as with a sick child

cajoling in the end

with silly tricks

a wan

smile                                                                           

    (translated by Alissa Valles)

From: Charles Simic : " The Philosophy of 3 AM" on this site  http://www.nybooks.com/articles/20132

الاستاذ كوجيتو يعكس المعاناة

الشاعر البولندى  : زبيجنيف هربرت

كل محاولات التفادى

تسمى كأس الألم الشديد

بالجهد العقلى

الحملة المسعورة لاجل مصلحة القطة الضالة

تمارين التنفس

الدين

اتاك متأخرا

انت تملك اجماع

العقدة المحترمة هى رأسك

ليس عصرا ليدك

استخدم المعاناه بلطف مع التحديث

تشبه طرف البروستاتك

بدون خجل كاذب

ولكن بدون فخر ايضا

لا يلوح بالجذل

فوق رؤوس الاناس الاخرين

لا تعقد قصبتك البضاء

على اللوح الزجاجى للحائط الخلفى

اشرب واستخلص شجيرات الألم

لكن لا تثمل

كن حذرا لتغادر

الجرعات القليلة لاجل المستقبل

وافق عليها

لكن فى نفس الوقت

اعزلها عن نفسك

ولو جعلتها ممكنة

اصنع من فريق المعاناه

فكرة او شخص

العب معه

بالطبع

نكت حوله

مطلوب جدا

والعب مع الاطفال المرضى

اتسع فى النهاية

عن محيطك الممل

فوز

ابتسم

Mr. Cogito and the Imagination

By : Zbigniew Herbert

Mr. Cogito never trusted

tricks of the imagination

the piano at the top of the Alps

played false concerts for him

he didn't appreciate labyrinths

the Sphinx filled him with loathing

he lived in a house with no basement

without mirrors of dialectics

jungles of tangled images

were not his home

he would rarely soar

on the wings of metaphor

and then he fell like Icarus

into the embrace of the Great Mother

he adored tautologies

explanations

idem per idem

that a bird is a bird

slavery means slavery

a knife is a knife

death remains death

 he loved

the flat horizon

a straight line

the gravity of the earth               

 

    from

http://www.poemhunter.com/poem/mr-cogito-and-the-imagination

السيد كوجيتو و الخيال

الشاعر البولندى : زبيجنيف هربرت

السيد كوجيتو لا يثق ابدا

فى خدع الخيال

البيانو على قمة جبال الالب

الكونسرتو يلعب خطأ له

هو لا يقدر المتاهة

ابو الهول يملائه بالكراهية

هو يعيش فى منزل بلا اساس

بدون مرايات للديالكتيك

كثيرا ما يتورط فى الخيال

دون ان يكون بيته هو

هو يستطيع التحليق بتوسطية

على جناح الميتافور

وهو يسقطك كاللكروس

بين ارتباك الأم العظمى

هو يوقر علوم التوتر

الشارحة

للمثل بين المثل

الطير يكون طير

الفضة تكون فضة

السكين يكون سكين

الموت يعود للموت

هو يحب

التسطيح الافقى

الخط المستقيم

المقبرة على الارض

TWO DROPS

By: Zbigniew Herbert

The forests were on fire—

they however

wreathed their necks with their hands

like bouquets of roses

People ran to the shelters—

he said his wife had hair

in whose depths one could hide

Covered by one blanket

they whispered shameless words

the litany of those who love

When it got very bad

they leapt into each other's eyes

and shut them firmly

So firmly they did not feel the flames

when they came up to the eyelashes

To the end they were brave

To the end they were faithful

To the end they were similar

like two drops

stuck at the edge of a face

(translated by Czeslaw Milosz and Peter Dale Scott)

From: Charles Simic : " The Philosophy of 3 AM" on this site  http://

.com/articles/20132

قطرتان

الشاعر البولندى  : زبيجنيف هربرت

الغابات كانت على نار

هى بالرغم من ذلك

ازهرت بالاكاليل من الاعناق وحتى الايادى

مثل عبير الزهور

الناس تجرى الى الملتجأت

هو يقول زوجتى تملك شعرا

فى هذه الاعماق كان واحدا متخفيا

مغطى بورقة شجر

هم يهمسون بكلمات غير خجولة

ابتهالاتهم عن من يحبون

عندما اصبحو سيئين جدا

فتخطوا عيون بعضهم بعض

وصرخوا مؤكدين

مؤكدين جدا انهم لا يشعرون باللهيب

هم اصبحو اكثر فتحا للعيون

لنهايتهم عند القبر

لنهايتهم عند الخلاص

لنهايتهم المتشابهة

مثل قطرتان

ملتصقين على حافة الوجه

APOLLO AND MARSYAS

By: Zbigniew Herbert

The real duel of Apollo

with Marsyas

(absolute ear

versus immense range)

takes place in the evening

when as we already know

the judges

have awarded victory to the god

bound tight to a tree

meticulously stripped of his skin

Marsyas

howls

before the howl reaches his tall ears

he reposes in the shadow of that howl

shaken by a shudder of disgust

Apollo is cleaning his instrument

only seemingly

is the voice of Marsyas

monotonous

and composed of a single vowel

A

in reality

Marsyas relates

the inexhaustible wealth

of his body

bald mountains of liver

white ravines of aliment

rustling forests of lung

sweet hillocks of muscle

joints bile blood and shudders

the wintry wind of bone

over the salt of memory

shaken by a shudder of disgust

Apollo is cleaning his instrument

now to the chorus

is joined the backbone of Marsyas

in principle the same A

only deeper with the addition of rust

this is already beyond the endurance

of the god with nerves of artificial fibre

along a gravel path

hedged with box

the victor departs

wondering

whether out of Marsyas' howling

there will not some day arise

a new kind

of art—let us say—concrete

suddenly

at his feet

falls a petrified nightingale

he looks back

and sees

that the hair of the tree to which Marsyas was fastened

is white

completely

(translated by Milosz and Scott)

From: Charles Simic : " The Philosophy of 3 AM" on this site  http://www.nybooks.com/articles/20132

 

ابوللو ومارس

الشاعر البولندى  : زبيجنيف هربرت

الواقع المبارز لابللو ومارس

بدون مارس

( أذن مطلقة ضد معدل هائل )

خذوا اماكن فى المساء

عندما تكونوا مستعدين لمعرفة

الحجة

استحقاق النصر من الله

الرابطة تضيق لشجرة

الوسوسة تخطط الجلد

مارس

يعوى

يصل العواء الى الاذان السامعة

هو ينعكس فى ظل للعواء

يرتعش ويرتعد قرفا

ابللو نظيف الجسم

فقط يبدو

كائن فى صوت مارس

ملل

وهادئ فى عويل مفرد

أ

فى الواقع

مارس متعلق بالصحة التى لا تنضب لجسده

الجبال المكشوفة للكبد

السيول البيضاء للمعدة

الغابات الصدئه للرئة

التلول الصغيرة الحلوة للعضلات

فصلات الدم الشاحب والاكتاف

الرياح الشتوية للعظام

زيادة ملح الذاكرة

ابللو يكون نظيف الجسم

الان الملل

يكون مربوط بالعمود الفقرى لمارس

فى المبدأ المشابه ل أ

فقط العميق مع أضافة الصدأ

هذا يكون جاهز فيما وراء الاحتمال

الله مع الاعصاب والالياف الصناعية

وحدة فى حمام قبرى

مع صندوق

النصر اجزاء

عجبا

كل خارخ عويل مارس

لا يريد هناك بعض الايام تصعد

نوع جديد

الفن – دعنا نقول – الواقع الصلب

المفاجأة

على أقدمه

يسقط ملائكة الليل

هو يبدو عائدا

ويرى

ان الشعر للشجرة التى كان يسرعها مارس

كان يسرعها

هو ابيض

كاملا

 (1) نقلا عن د. أميرة حلمى مطر : فلسفة الجمال ( أعلامها ومذاهبها ) , الهيئة المصرية العامة للكتاب , مكتبة الاسرة, القاهرة,2002 ,ص 9 .

(2) هناك خطأ شائع فى ترجمة العبارة " انا أفكر أذن أنا موجود " لان "أذن" نوع من الاستدلال الارسطى الشرطى الذى رفضه ديكارت .

(3) هذا الجزء ساهمت فيه الاستاذة الدكتورة وفاء ابراهيم استاذة علم الجمال بكلية البنات بالقاءها محاضر بالمجلس الاعلى للثقافةة اثناء رئاسة محمود امين العالم للجنة الفلسفة به .

(4) سعيد توفيق : الخبرة الجمالية , دار الثقافة العربية ,2000.

(5) أميرة حلمى مطر :فلسفة الجمال ( اعلامها ومذاهبها ):مكتبة الاسرة,القاهرة,2002 .

(6) سعيد توفيق : الخبرة الجمالية ,مرجع سابق. 


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حلم الخلود الإنسانى أو فيلم إسكندرية نيويورك .....قراءة فلسفية

  حلم الخلود الإنسانى   أو فيلم إسكندرية   نيويورك .....قراءة فلسفية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ            يعد فيلم إسكندرية – نيويورك آخر ...