السيد كوجيتو يدافع عن نفسه
·
الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت بعيون فلسفية
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ
" ان صراع الفلسفة و الشعر هو صراع
جوهرى أبدى فى نفس كل مفكر " أفلاطون (1)
لقد كانت ولا تزال حيرة الفلسفة إزاء الفن اشد بكثير من حيرتها
إزاء العلم . ويبدوا ان الفلسفة لا تعرف الا الحيرة و المعاناة و تقطير الألم
الصافى على حد قول أحد دارسى الفلسفة فى جامعة ويثروا Warsaw
الشهيرة اذ قال " كل محاولات التجنب , تسمى كأس الألم
الشديد , بالجهد العقلى , الحملة المسعورة لمصلحة القطة الضالة " وعلى حد ما
يفهم من ترجمتى المعتلة لأبيات هذا الشاعر العميقة : ان الفلاسفة يتجنبون الحقيقة
الواضحة ويتفادونها ويشككوا فيها دائما , ويمارسون جهد عقلى كبير من أجل الحصول
عليها مرة ثانية , لاعتقادهم ان الجمع والاجماع والاتفاق دائما على ضلال , ودورهم
بجهدهم العقلى أخراج هذا الجمع من الضلال الذى هو فيه كـ" قطة ضالة " .
لقد كان هذا الرأى هو رأى الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت Zbigniew Herbert (1924 – 1998) فى
قصيدته الذى اتخذت عنوان " السيد كوجيتو يعكس معاناته " , والسيد كوجيتو
هو تجسيم وتشخيص لفكرة وعبارة الكوجيتو المركزية , و المؤسسة للفلسفة الغربية
الحديثة ككل , وهى ظهرت عند أبو الفلسفة الحديثة الفيلسوف الفرنسى رنيه ديكارت ,
اذ تتأسس تلك العبارة ( الكوجيتو ) على حالة عارمة من الشك أنتابت الفيلسوف , فاخذ
من خلالها يدرك انه يشك , والشك بدوره نوع من التفكير , اذن هو يفكر , ومادام هو
يفكر فهو يستشعر وجوده أثناء ذلك التفكير, لذا خرجت العبارة الكوجيتو تنص على
" أنا أفكر أنا موجود " (2) و
الكوجيتو فضلا عن أنه تأسيس الوجود على الفكر بما يعنى ذلك من مثالية , يعبر بشكل
خاص عن الدعوة للشك , وما يستتبع ذلك من حيرة ومعاناة وألم نفسى رهيب وهو ما يعبر
عنه زبيجنيف بالتجنب و التفادى للحقيقة الواضحة و السعى وراء انكارها و الذى لا
يستجلب سوى الألم الشديد .
الا أن ما يستوجب ان نشير إليه هنا , هو ان السيد كوجيتو وهو
السيد زبيجنيف نفسه , أى هو الفيلسوف والشاعر فى آن واحد , يحاور ويتأمل نفسه وليس
شخص غريب عنه , فالقصيدة مبنية على حوار للنفس مونوديالوج , يتأمل فيه السيد
كوجيتو ذاته وموقفه و معاناته , ويقوم
بفصل ذاته عن نفسها موجها اليها ارشادا وتوجيها هاما . فالخطاب فى هذه الحالة ليس
خطابا شعريا بحتا , لان السيد كوجيتو عندما يخاطب نفسه سيكون الخطاب فلسفيا وكذلك
فلا يمكننا القول أن الخطاب فلسفيا بحتا تسوده لغة المنطق الصارم بل يعترف
بالمشاعر و الاطار الشعرى والفنى . وهذا يذكرنى بقول الدكتورة أميرة حلمى مطر ان
الشاعر يعرف جيدا حقيقة ما يتحدث عنه ولكنه كثيرا ما ينتهى فى حديثه الى اللغو وهو
ما لم يحدث فى حالتنا هذه عند السيد كوجيتو الفيلسوف , و الفيلسوف يتحدث بمنطق
وعمق ولكنه لا يعرف حقيقة ما يتحدث عنه وهو ما لا يتحقق عند السيد زبيجنيف او
السيد كوجيتو نفسه الشاعر. أننا هنا أمام خطاب يجسد صراع الشعر والفلسفة فى نفس
المفكر الواحد وان كان سينتصر للشعر والفلسفة معا ويحقق وظيفتهما .
فالفيلسوف يملك روح الألم للجهد العقلى المبذول ويقوده ذلك الى
العدم الذى ينتفى معه الفعل والحركة والتطور , ولكن الشاعر بداخله يوجهه للاسلوب
الذى يتعامل به مع هذا الذى بداخله من ألم , فيقول " أشرب وأستخلص شجيرات
الألم , لكن لا تثمل , كن حذرا لتغادر , الجرعات القليلة لأجل المستقبل , وافق
عليها , لكن فى نفس الوقت اعزلها عن نفسك , ولو جعلتها ممكنة " انه هنا يحاول
أخراج الذبابة من عنق الزجاجة على حد تعبير فتجنشتين - او ما يسمى بالفلسفة العلاجية - انه يحاول التغلب على العدم والألم وتنظيمه
وليس طمسه كليا , فهو يحث الفيلسوف على اخراج هذا الألم فى فكرة أو شخص (فعل
ايجابى بناء ) يشق ظلام العدم والألم لينفع المستقبل فهو يقول" اصنع من فريق
المعاناه ,فكرة او شخص " . ويناقش زبيجنيف فى هذا
النص أيضا قضية من أهم القضايا , وهى قضية الاحساس بالفخر والتفوق لدى الفلاسفة ,
ويحاول جرح ذلك أكثر من مرة , ثم يعالج هذا الشعور بالفخر فى اخر القصيدة باللعب ,
اللعب مع الطفل المريض و الابتسامة والتنكيت أحيانا.
أن هذا النص بالرغم من أنه لم يتوفر لى كاملة بل شذرات منه قد
فجر قضية صراع الفلسفة والشعر فى نفس المفكر , وهى قضية هامة أذ انها تناقش علاقة
الفلسفة بالفن والتى مرت بالعديد من المراحل التاريخية , الذى سنتحدث عنها لاحقا
, وعلى حد علمى هناك قصائد أخرى لزبيجنيف
بعنوان السيد كوجيتو ؛ وهم السيد كوجيتو و الخيال Mr. Cogito and the Imagination وسنقوم بتحليل موجز لها ,
و رسول السيد كوجيتو The Envoy of Mr. Cogito , ملل
السيد كوجيتو The Monster of Mr. Cogito , اننى أعد أن أعكف على
تحليل قصائد السيد كوجيتو لزبيجنيف متى توفرت لى كاملة فالموضوع هام وربما شخصى
بالنسبة لكل مفكر يعانى صراع الفلسفة والشعر فى نفسه.
·
ولنتتبع مراحل ذلك الصراع التاريخي بين الفن عموما و الفلسفة : (3)
في نهاية عصر النهضة وبداية عصر التنوير تقريبا
ظهرت الاستاطيقا كمبحث فلسفي خاص ، والكلمة استاطيقا تعنى الخدر التخدير أو حالة السكر والنشوة الروحية وغياب العقل ، واستخدم الكلمة أول مره
في مجال الفلسفة الألماني باو
مجارتن(4).
والسؤال الذي يتبادر للذهن ما هي الدوافع والمبررات
لظهور ذلك المبحث الفلسفي , ولماذا انتظر
الفلاسفة بداية عصر التنوير حتى يخصصوا مبحثا فلسفيا لدراسة الجمال ؟ ألم يتحدث
اليونانيون عن الجمال والفن عموما ؟ آلم يحدد ارسطو مباحث الفلسفة دون ذكر لهذا
المبحث ؟ هل نسى ارسطو تحديد هذا المبحث ولم يتحدث عنه إلا في الاورجانون أي أداة العلوم ومنطقها بكتابه الشهير عن
الاقيسة الشعرية (الشعر) كنوع من المنهج
المعرفي ؟
أن الإجابة على ذلك السؤال هي ذلك الصراع الثقافي
الذي حدث في تلك الفترة بالتحديد ، الصراع بين العقل ( كسلطة مطلقة متعسفة )
والعاطفة والخيال فتمثل الفلسفة العقل في
الصراع ويمثل الفن العاطفة والخيال .
لقد أراد باو مجارتن حصر الفن في قضية واحدة هي الجمال كقيمة ، و
الفيلسوف هو الذي يضع المعايير الصارمة التي تحدد الجمال ، وهنا عرف علم الجمال
وكلمة علم ليست بمعنى العلم التجريبي , و إنما تعرف الفلسفة كلمة علم بمعنى منهج
معياري للحكم على الأشياء ، أما إذا ترجمت الاستاطيقا باعتبارها فلسفة فهي تدل على
مناهج أخرى غير المنهج المعياري للتعامل مع قيمة الجمال .
وباومجارتن هنا
يحاول الفصل بين الفلسفة باعتبارها عقل
والفن باعتباره عواطف , فهو يهمش كل وظائف الفن ولا سيما الدور المعرفي
للفن , ويقصر الفن على التذوق الجمالي فقط
، وهو إنكار لكون الفنان والفيلسوف يشتركان في البحث المعرفي عن الحقيقة ولكن كل
منهم يختار منهج مختلف .
أن تلك الفترة في المجتمع الأوربي عرفت فيها ظاهرة
سلوكية شبابية غريبه وهى البوهيمية أو الرومانسية الشعبية فكان الشباب يتمردون على
العقل و الأخلاق والمجتمع وكان هؤلاء الشباب يرفضون الفلسفة كتمثيل للعقل يرفضون
العلم عموما سواء كان تجريبي أم غير تجريبي ، وكانوا يرون أن الفن بديلا
للفلسفة ويقودون حملة هوجاء ضد العقلانية
والفلسفة بالطبع .
مما جعل الفيلسوف الألماني الشهير كانط يرى أن
العمل الفني نشاط حر تماما(5) ، لعب لا
غاية له سواء كانت غاية أخلاقية اجتماعية أو حتى غاية معرفية ، و إنما ما الفن
إلا شيء يحقق لنا لذة ومتعه سواء كانت
عقلية أو حسية ويخرج كانط كتابه " نقد ملكة الحكم " و الذي يرى كثير من
أساتذة الفلسفة أن مذهب كانط كان مكتمل تماما ولم يكن بحاجة إلى هذا الكتاب لكن
خروج هذا الكتاب كان رد فعل للحركة الرومانسية , وفيه تكلم كانط عن الفن كلعب
ومتعة عقلية قائمة على التطابق بين النماذج الموجودة في ملكة المخيلة والعمل الفني
فيحدث هذا التطابق لذة عقليه ، ولا سبيل الآن للخوض في علم الجمال الكانطى الذي
أسس لمفهوم الاستاطيقا كمبحث فلسفي جديد أراد أن يهمش الفن ويحصره في الجمال كقيمه .
لكن هيجل ذلك الفيلسوف الألماني العملاق كان حديثه
اكثر صراحة عندما قال أن الفلسفة قد احتوت الفن وان الفن مرحلة تاريخية سابقه عن
الفلسفة تحتويها الفلسفة تماما , بالفعل تحدث هيجل عن نهاية الفن وبداية الفلسفة .
وكانت تلك الفترة هي فترة النقد الكلاسيكى بحق وهو
النقد المعتمد على المنظور والنسب وما إلى ذلك من الأفكار الرياضية القديمة ، برغم
أن هيجل عاصر سيطرة النقد القصدي الرومانسي الذي يؤله الفنان وانتقد ذلك بشدة.
ثم أتى الفيلسوف الألماني نيتشة(6) رائد
اللاعقلانية المعاصرة ليحاول إصلاح ما أفسده من قبله من الفلاسفة ، ليرى أن
الفلسفة باعث على الفن والفلسفة هي الخلفية الثرية التي تمد الفن برؤى عامة ليعبر
الفنان عنها بأسلوبه وبالفعل فنحن نرى خلف كل مدرسة فنية رؤية ما للوجود والحياة
كالتكعيبية والسريالية والتأثيرية ...الخ ، وبالفعل كان لما فعله نيتشة دورا كبير
في تحريرنا من المنظور الاستاطيقى الجمالي للفن .
إلا أن تحولات المجتمع الأوربي بفعل تعملق الثورة
الصناعية و ظهور مشاكل البرجوازيية الصناعية وتحول الفلاسفة إلى دراسة الاقتصاد
وظهور الماركسية والحركات الاشتراكية والعمالية ؛ مما كان له اثر كبير في ظهور ما
يعرف بالمدرسة الوضعية التي أسست علم الاجتماع نظريا كرد فعل لعلم الاجتماع الماركسى
اذ يتحدث ماركس عن الثورة ويتحدث الوضعيين عن الثبات , واعتبرت الوضعية أن الفلسفة مجرد تخاريف ميتافيزيقية لا معنى
لها وان الوضعية هي الفلسفة كعلم حقيقي قائمة على تحليل مقولات العلم التجريبي ، ونظرت للفن باعتباره محض ظاهرة اجتماعية لا
تفسر إلا في ضوء السلالة والبيئة والعصر وهنا ظهر النقد السياقي والمنظور
الاجتماعي للظاهرة الفنية و التي تطور فيما بعد لتصبح سوسيولوجيا الفن و التي هي
أحد العلوم الناضجة التي تدرس الظاهرة الفنية وتستفيد منها فلسفة الفن في إطار
رؤية اكثر شمولا ، وظهرت أيضا في تلك الفترة
تلك المزحة المتمثلة في علم الجمال التجريبي كدراسة كمية تجريبية لا نجد
لها تفسير سوى تلك النزعة الطفولية
لمحاكاة العلم التجريبي الطبيعي باعتباره انجح العلوم .
ثم انفعل علماء النفس وقالوا ما الفن إلا ظاهرة نفسية ذاتية
سواء اعتمدوا في تحليلهم للعمل الفني على فرويد و اللاوعي والحلم أو اعتمدوا على الجشتالت و الإدراك والسلوك وما
إلى ذلك مما اصبح اليوم تخصص مختلف مهم
يعرف بسيكولوجية الفن كأحد العلوم الناضجة
التي تدرس الظاهرة الفنية وتستفيد منها فلسفة الفن بالضرورة ولكن في إطار نظرة
اكثر شمولية.
وعندما ظهرت البنيوية والحق يقال لم تظهر البنيوية هذه المرة في
الفلسفة و إنما ظهرت في النقد الأدبي أولا إلا أنها انتقلت لكل العلوم والفنون ، و
بدا النظر لكل شيء من الخارج ، و ازدهر
النقد الشكلي إلا أن البنيوية كانت تحمل بداخلها عوامل انهيارها لذا لم تعش كثيرا .
والفلسفة الآن تنظر للفن باعتباره قادرا على احتواء الفلسفة
كلها , "الفن يحتوى الفلسفة " , وهو المنظور الذى سنتبناه فى هذه
الدراسة معتبرين زبيجنيف فنانا فيلسوفا من هذا المدخل .
أن الفلسفة في عصرنا هذا أصبحت تفخر بكونها فنا
خالصا أما تشبه الأدب أو أدب خالص , و تعتمد
على التعبير عن أفكارها عن طريق الفن الرمزي الذي يشق طريقه الآن لينتشر وبسرعة
بعد ما تخلص الفن من المنظور النخبوى الذى
كان إما يخاطب النخبة الثقافية لانه يحتاج لتفسير المدلولات بغير دلالتها الطبيعية
و إنما من خلال علاقاتها الداخلية , أو يخاطب النخبة الأكاديمية المتخصصة لانه
يعتمد على ظواهر بنيوية شكلانية ، لكن
الفن اصبح اليوم جماهيريا متميزا بطبيعة ذهنية رمزية , و امتلك وظيفة اكثر أهمية
من مجرد وظيفته الجمالية او الاجتماعية او النفسية .
فالفن اصبح الأداة التي يعبر من خلالها الفيلسوف عن
أفكاره وذلك ما تحدث عنه مؤسس الفن الرمزي
جوزيف كوزوف . فالفنان الجيد اليوم هو الذي يقدم فنا يحمل عمقا فلسفيا
والفيلسوف الجيد اليوم هو الذي يملك أدوات الفنان ليعبر بها عن فلسفته. وبعد أن
خاض الفن معركة التحرر من الدين في عصر النهضة والأخلاق في عصر التنوير فانه يتحرر
من الجمال فى عصرنا هذا .
و لا شك ان تجربة الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت فى السيد
كوجيتو تصب فى الفلسفة من خلال الفن والفن من خلال الفلسفة وتقدم كل ما هو جديد فى
مبحث العلاقة بين الفن والفلسفة , والذى أصبح ولا نبالغ فى ذلك من أهم مباحث
الفلسفة فى عصرنا هذا بعد تراجع دور الفلسفة التأسيسى وتحولها للعبة شبه فنية .
·
فلسفة الخيال فى مقابل فلسفة العقل التعسفى : السيد كوجيتو والخيال :
يتابع الشاعر البولندى زبيجنيف هربرت نقده لنوع معين من الفلسفة
, هذه المرة فى قصيدة " السيد كوجيتو و الخيال " , وبصرف النظر عن ما
اذا كان السيد كوجيتو هذه المرة هو الفلسفة بالالف واللام بكل تيارتها , او ان
المقصود هنا هو تيار محدد فى الفلسفة يتحيز للعقل بشكل مطلق و يعادى العاطفة
والخيال , وهو التيار الذى ظهر مع بداية التفلسف الاوربى الحديث , وهو التيار
العقلانى الكلاسيكيى او الديكارتى المنهجى الرياضى , وهو ما ينصب عليه هنا نقد
زبيجنيف .
بصرف
النظر عن هذا كله فان الخيال عند زبيجنيف هربرت كان الرحمة المهداة لهذه الانسانيه
, اذ به وبه وحده يهرب الانسان من واقعه , وخصوصا ان كان اليما فاسدا , والاهم من
ذلك ان الخيال يخلق بداخل الانسان النطاقات والمساحات التى عبرها يتحرك الانسان
محققا لاحلامه وطموحاته الخيالية , فان انعدام الخيال كما بدا لزبيجنيف "
التسطيح الافقى , الخط المستقيم " هو " المقبرة على الارض " , واذا
كانت الفلسفة الديكارتية تخاف من الوهم والضلال وخداع الخيال على حد تعبير زبيجنيف
فى قوله " السيد كوجيتو لا يثق ابدا , فى خدع الخيال " , فان نفس هذه
الفلسفة تتورط فى الخيال فهى تنادى لفظيا بالبعد عن الخيال ولكنها فى نهاية الامر
تبدوا مثالية حالمة خيالية رغم انها لا تعترف الا بالعقل وتنكر الشعور, هذه الملاحظة هى التى ستنبئنا عنها الدراسات
المعاصرة للديكارتية فى كونها تعتبر الديكارتية ارتدت قناع العقل الى ان ما وصلت
اليه كان هو الاجماع الدينى المتفق عليه .
ان المتاهة التى يدعو لها الفن لا تقدرها الفلسفة , فهى تكره
عدم التناقض المتمثل فى ابو الهول كرأس انسان وجسد حيوان , ونقد زبيجنيف لهذا انما هو نقد للعقلانية
التعسفية الكائنة فى عدم التناقض كمبدأ منطقى يعارض الواقع وشواهده ويدحض الخيال
فى النفس .
وهو يشير الى ان ها هى العقلانية الساذجة التى تخلت عنها
الفلسفة بنفسها مع الديالكتيك الهيجلى الذى يسمح بالتناقض ويعتبره اساس للتطور الصاعد
النامى للفكر والانسان والواقع , فالرؤية المرأوية رؤية المخيلة والخيال تجسدت فى
الديالكتيك .
ومن هنا يتبين لنا ان قصيدة السيد كوجيتو والخيال لا تنقض كل
الفلسفة وانما تنتقض نوعا معينا من الفلسفة وتيارا تاريخيا عانى منه الفكر الاوربى
كثيرا , وهو العقلانية التعسفية التى انتهت بثورة اينشنتين النسبية عندما اكد على
ان " الخيال هام للعلم" والتى
تجدد صحوها فى حركات ما بعد الحداثة الفلسفية , فعندا فى ديكارت يبحث المفكر
الفرنسى ميشيل فوكو فى " تاريخ الجنون فى العصر الكلاسيكى" ناقدا تلك
العقلانية التعسفية التى حولت من يخالفها لمجنون ينبغى عزله اجتماعيا .
الخيال
هو الذى يحررنا من الرؤية التقليدية الساكنة للاشياء والتى تشبه الموات بفعل
التكرار الممل , ان الخيال هو سبب الحركة والبناء فكل واقع ايجابى تحقق كان حلما
وخيالا فيما سبق , ومن هنا كانت رحمة الخيال بالانسان عند زبيجنيف . فبعمق قصيدته
أسس فلسفة للخيال بأداته المعرفية الشعرية , فلسفة الخيال تصحيح مسار للسيد كوجيتو
, الذى مازلت أصر على انه جزء من زبيجنيف نفسه يهمه ويعتنى به ينصحه احيانا ويعدل
مساره فى احيانا أخرى , فها هو زبيجنيف او السيد كوجيتو يدافع عن نفسه , ويصحح
مساره بتأسيس فلسفة للخيال بحدسه الشعرى , فالفلسفة والشعر قد تعاونا لدى زبيجنيف
من أجل تحقيق صالح الانسان بكل بنيات وعيه المختلفة من فكر وشعور .
·
قطرتان و آلهان :
يتميز شاعرنا البولندى بالعمق , فهو يرى السيد كوجيتو . وفى
مقطوعته الشعرية قطرتان نلاحظ ذلك العمق , فأذا كان كل شئ من حولنا سيئ ويحترق فأن
هذا لا يمنع أكاليل الزهور من ان تنبت وتنشر اريجها العطر فى كل الانحاء , انها
رؤية التفاؤل المبنية على منطق الحب فبالحب نبنى ونعمر ونحرر ولا نشعر بالنيران من
حولنا وبالفساد فى كل شيئ , بالحب الذى ننسى فيه الخجل , نصبح اكثر ادركا لقدرنا ,
قدر واحد يجمعنا مع من نحب كقطرتان على حافة وجه العالم المتجهم .
وبنفس العمق فى قطرتان نجد الآله ابللو والآله مارس آله الحرب
وآله السلام يتحاوران عند زبيجنيف حوارا دراميا خلابا , ندرك معه ان كلا الالهين ,
وهم تعبير عن جوانب النفس الانسانية ونزعاتها , ملائكة فى حين يكون ابللو ابيض
كاملا , فان مارس ملاك ليلى ولهذه القصيدة انعكاسا سياسيا فهى توضح موقف من الحرب
من أجل التحرير والقيم النيبلة امتلكه عضو فعال من اعضاء حركة التحرير البولندى
المسلحة .
ان هذين المقطوعتين الشعريتين هم أدلة دامغة على عمق فلسفى
لشاعر لا يستخدم الشعر للتعبير عن ظاهر الامور وشكليتها ووضعيتها الكائنة , لكنه يعلمنا الرؤية النقدية فى شعره , والحوار
الغير مستقطب , الحوار البناء الايجابى مركزا على ضبط الاداء , اداء الانسان وممارسته محققا بذلك وظيفة الفن
, ورادما الفجوة بين المعرفة و التطبيق , بين النظر كما يتمثل فلسفة والعمل كما
يتمثل ممارسة واداء , رادما الفجوة بين الثقافة والتنمية فهو شاعر هام فى مجال
تنمية الانسان داخليا وخارجيا , هكذا دافع السيد كوجيتو عن نفسه هكذا قال زبيجنيف
كلمته الفعالة , هكذا اسفر الصراع بين الشعر والفلسفة فى نفس زبيجنيف.
النصوص الشعرية للشاعر البولندى
زبيجنيف هربرت
التى اعتمدت عليها هذه الدراسة
مترجمة بالعربية بواسطة الباحث
MR
COGITO REFLECTS ON SUFFERING
By:
Zbigniew Herbert
All
attempts to avert
the
so-called cup of bitterness—
by
mental effort
frenzied
campaigns on behalf of stray cats
breathing
exercises
religion—
let
you down
you
have to consent
gently
bow your head
not
wring your hands
use
suffering mildly with moderation
like
a prosthetic limb
without
false shame
but
without pride also
don't
brandish your stump
over
other people's heads
don't
knock your white cane
on
the panes of the well-fed
drink
an extract of bitter herbs
but
not to the dregs
be
careful to leave
a
few gulps for the future
accept
it
but
at the same time
isolate
it in yourself
and
if it is possible
make
from the stuff of suffering
a
thing or a person
play
with
it
of
course
play
joke
around with it
very
solicitously
as
with a sick child
cajoling
in the end
with
silly tricks
a
wan
smile
(translated by Alissa Valles)
From:
Charles Simic : " The Philosophy of 3 AM" on this site http://www.nybooks.com/articles/20132
الاستاذ كوجيتو يعكس المعاناة
الشاعر البولندى :
زبيجنيف هربرت
كل محاولات التفادى
تسمى كأس الألم الشديد
بالجهد العقلى
الحملة المسعورة لاجل مصلحة القطة الضالة
تمارين التنفس
الدين
اتاك متأخرا
انت تملك اجماع
العقدة المحترمة هى رأسك
ليس عصرا ليدك
استخدم المعاناه بلطف مع التحديث
تشبه طرف البروستاتك
بدون خجل كاذب
ولكن بدون فخر ايضا
لا يلوح بالجذل
فوق رؤوس الاناس الاخرين
لا تعقد قصبتك البضاء
على اللوح الزجاجى للحائط الخلفى
اشرب واستخلص شجيرات الألم
لكن لا تثمل
كن حذرا لتغادر
الجرعات القليلة لاجل المستقبل
وافق عليها
لكن فى نفس الوقت
اعزلها عن نفسك
ولو جعلتها ممكنة
اصنع من فريق المعاناه
فكرة او شخص
العب معه
بالطبع
نكت حوله
مطلوب جدا
والعب مع الاطفال المرضى
اتسع فى النهاية
عن محيطك الممل
فوز
ابتسم
Mr.
Cogito and the Imagination
By
: Zbigniew Herbert
Mr.
Cogito never trusted
tricks
of the imagination
the
piano at the top of the Alps
played
false concerts for him
he
didn't appreciate labyrinths
the
Sphinx filled him with loathing
he
lived in a house with no basement
without
mirrors of dialectics
jungles
of tangled images
were
not his home
he
would rarely soar
on
the wings of metaphor
and
then he fell like Icarus
into
the embrace of the Great Mother
he
adored tautologies
explanations
idem
per idem
that
a bird is a bird
slavery
means slavery
a
knife is a knife
death
remains death
he loved
the
flat horizon
a
straight line
the
gravity of the earth
from
http://www.poemhunter.com/poem/mr-cogito-and-the-imagination
السيد كوجيتو و الخيال
الشاعر البولندى : زبيجنيف هربرت
السيد كوجيتو لا يثق ابدا
فى خدع الخيال
البيانو على قمة جبال الالب
الكونسرتو يلعب خطأ له
هو لا يقدر المتاهة
ابو الهول يملائه بالكراهية
هو يعيش فى منزل بلا اساس
بدون مرايات للديالكتيك
كثيرا ما يتورط فى الخيال
دون ان يكون بيته هو
هو يستطيع التحليق بتوسطية
على جناح الميتافور
وهو يسقطك كاللكروس
بين ارتباك الأم العظمى
هو يوقر علوم التوتر
الشارحة
للمثل بين المثل
الطير يكون طير
الفضة تكون فضة
السكين يكون سكين
الموت يعود للموت
هو يحب
التسطيح الافقى
الخط المستقيم
المقبرة على الارض
TWO
DROPS
By:
Zbigniew Herbert
The
forests were on fire—
they
however
wreathed
their necks with their hands
like
bouquets of roses
People
ran to the shelters—
he
said his wife had hair
in
whose depths one could hide
Covered
by one blanket
they
whispered shameless words
the
litany of those who love
When
it got very bad
they
leapt into each other's eyes
and
shut them firmly
So
firmly they did not feel the flames
when
they came up to the eyelashes
To
the end they were brave
To
the end they were faithful
To
the end they were similar
like
two drops
stuck
at the edge of a face
(translated
by Czeslaw Milosz and Peter Dale Scott)
.com/articles/20132
قطرتان
الشاعر البولندى :
زبيجنيف هربرت
الغابات كانت على نار
هى بالرغم من ذلك
ازهرت بالاكاليل من الاعناق وحتى الايادى
مثل عبير الزهور
الناس تجرى الى الملتجأت
هو يقول زوجتى تملك شعرا
فى هذه الاعماق كان واحدا متخفيا
مغطى بورقة شجر
هم يهمسون بكلمات غير خجولة
ابتهالاتهم عن من يحبون
عندما اصبحو سيئين جدا
فتخطوا عيون بعضهم بعض
وصرخوا مؤكدين
مؤكدين جدا انهم لا يشعرون باللهيب
هم اصبحو اكثر فتحا للعيون
لنهايتهم عند القبر
لنهايتهم عند الخلاص
لنهايتهم المتشابهة
مثل قطرتان
ملتصقين على حافة الوجه
APOLLO
AND MARSYAS
By:
Zbigniew Herbert
The
real duel of Apollo
with
Marsyas
(absolute
ear
versus
immense range)
takes
place in the evening
when
as we already know
the
judges
have
awarded victory to the god
bound
tight to a tree
meticulously
stripped of his skin
Marsyas
howls
before
the howl reaches his tall ears
he
reposes in the shadow of that howl
shaken
by a shudder of disgust
Apollo
is cleaning his instrument
only
seemingly
is
the voice of Marsyas
monotonous
and
composed of a single vowel
A
in
reality
Marsyas
relates
the
inexhaustible wealth
of
his body
bald
mountains of liver
white
ravines of aliment
rustling
forests of lung
sweet
hillocks of muscle
joints
bile blood and shudders
the
wintry wind of bone
over
the salt of memory
shaken
by a shudder of disgust
Apollo
is cleaning his instrument
now
to the chorus
is
joined the backbone of Marsyas
in
principle the same A
only
deeper with the addition of rust
this
is already beyond the endurance
of
the god with nerves of artificial fibre
along
a gravel path
hedged
with box
the
victor departs
wondering
whether
out of Marsyas' howling
there
will not some day arise
a
new kind
of
art—let us say—concrete
suddenly
at
his feet
falls
a petrified nightingale
he
looks back
and
sees
that
the hair of the tree to which Marsyas was fastened
is
white
completely
(translated
by Milosz and Scott)
From:
Charles Simic : " The Philosophy of 3 AM" on this site http://www.nybooks.com/articles/20132
ابوللو ومارس
الشاعر البولندى :
زبيجنيف هربرت
الواقع المبارز لابللو ومارس
بدون مارس
( أذن مطلقة ضد معدل هائل )
خذوا اماكن فى المساء
عندما تكونوا مستعدين لمعرفة
الحجة
استحقاق النصر من الله
الرابطة تضيق لشجرة
الوسوسة تخطط الجلد
مارس
يعوى
يصل العواء الى الاذان السامعة
هو ينعكس فى ظل للعواء
يرتعش ويرتعد قرفا
ابللو نظيف الجسم
فقط يبدو
كائن فى صوت مارس
ملل
وهادئ فى عويل مفرد
أ
فى الواقع
مارس متعلق بالصحة التى لا تنضب لجسده
الجبال المكشوفة للكبد
السيول البيضاء للمعدة
الغابات الصدئه للرئة
التلول الصغيرة الحلوة للعضلات
فصلات الدم الشاحب والاكتاف
الرياح الشتوية للعظام
زيادة ملح الذاكرة
ابللو يكون نظيف الجسم
الان الملل
يكون مربوط بالعمود الفقرى لمارس
فى المبدأ المشابه ل أ
فقط العميق مع أضافة الصدأ
هذا يكون جاهز فيما وراء الاحتمال
الله مع الاعصاب والالياف الصناعية
وحدة فى حمام قبرى
مع صندوق
النصر اجزاء
عجبا
كل خارخ عويل مارس
لا يريد هناك بعض الايام تصعد
نوع جديد
الفن – دعنا نقول – الواقع الصلب
المفاجأة
على أقدمه
يسقط ملائكة الليل
هو يبدو عائدا
ويرى
ان الشعر للشجرة التى كان يسرعها مارس
كان يسرعها
هو ابيض
كاملا
(1)
نقلا عن د. أميرة حلمى مطر : فلسفة الجمال ( أعلامها ومذاهبها )
, الهيئة المصرية العامة للكتاب , مكتبة الاسرة, القاهرة,2002 ,ص 9 .
(2) هناك خطأ
شائع فى ترجمة العبارة " انا أفكر أذن أنا موجود " لان "أذن"
نوع من الاستدلال الارسطى الشرطى الذى رفضه ديكارت .
(3) هذا
الجزء ساهمت فيه الاستاذة الدكتورة وفاء ابراهيم استاذة علم الجمال بكلية البنات
بالقاءها محاضر بالمجلس الاعلى للثقافةة اثناء رئاسة محمود امين العالم للجنة
الفلسفة به .
(4) سعيد
توفيق : الخبرة الجمالية , دار الثقافة العربية ,2000.
(5) أميرة
حلمى مطر :فلسفة الجمال ( اعلامها ومذاهبها ):مكتبة الاسرة,القاهرة,2002 .
(6) سعيد توفيق : الخبرة الجمالية ,مرجع سابق.
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق