إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 19 يوليو 2022

الحصن قصة قصيرة

 

الحصن قصة قصيرة



الحصن

بقلم :احمد حمدى حسن حافظ

يا مصر ليلك طويل .......... سيبينى أنوى الرحيل

واشوفلى شمس وأصيل.... دا العمر مهما كان قصير

مضى حوالى ثلاث سنوات ونصف على حفل زواجى ، والزواج مستقر ممتع ولذيذ ، وانتج طفلا جميل .

 لقد كان القرار يوم الخميس  30 /4 /2009بعد آخر محاضرة تصوف ،  قرار بالهروب الى دنيا صغيرة من صنعى ، لا تتجاوز حدود منزلى .

وبعد جهد شديد وشاق نام عبد الرحمن الذى لم يكمل سنواته الثلاث الاولى  وتركنى أحدث نفسى هذا الحديث :

هربت ؟

هذا سؤال يا سيدى !  .... وهل نجحت ؟ والى متى ؟

مازال وطنك يحيط بك ، مازالت مساوئه تزداد مع صمتك . هل كنت تتخيل يوما ان الحرب ستدور بين ابناء وطنك بعضهم البعض ، هل كنت تتخيل ان تحبس فى منزلك بدعوى حظر التجول ، هل كنت تظن ان وطنك سيدخل تلك المرحلة الجديدة الذى انتهى فيه كل ما تعودت عليه من طيبة الشعب المصرى ، انت حذرت من اسوأ من ذلك ، قبل ان   تهرب ؛ ولكن التحذير من بعيد لا يتيح لك تذوق طعم الخيبة الحقيقية لما وصل اليه حال وطنك .

لا انت لم تهرب! بل تفننت وابدعت فى الهروب ، هادنت هروبك الملح  ولتعلم ان الهروب الى الداخل ليس هروبا بل تعميقا للمواجهه ، منكبا انت على ذاتك المشوهه ، ظانا انك هربت من كل شيئ حولك كان او مازال او سيزال  يزعجك  ، ازعجك وطنك الى هذا الحد ، الحد الذى كرهت فيه وطنك  برمته ، بمناظره السياحية ،  برائحته العفنة ، بذكرياته المريرة  .

ولكن هيهات ايها الهارب ، فعبئ خفى مشئوم يطاردك ، يهجم عليك ، يتجشمك فى لحظات سكونك او صمتك او تأملك ، حتى الاحلام الليلية اصبحت مغموسة بذكريات ماضيك العفن .

ومازالت النبوش فى اضرحة ذكرياتك تخرج عليك تلك الروائح وتسمعك ذلك الآنين ، ولا تجد سوى الاعتراف والفضفضة مستغلا اى مناسبة بل وبلا مناسبة ،   لا ، لست انت الذى كان يمشى فى شوارع محطة الرمل فى عز الليل هائما     شاردا  ،  يبحث على مشروب روحى وبالانجليزيه سوفت درنك ، ويسأل عليه المحال والدكاكين بكل بجاحة ، وكأنه رجل أجنبى او هكذا يريد من نفسه  ، مشروب روحى ينسيك امر حرمانك وكبتك الجنسى ، فى مجتمع جعل الموت مرادفا للجنس ، وستذهلون عندما تعلموا ان  ابي القدوة واخي الشاب الصالح المصرى الاسمر خفيف الدم يرافقونى ولا اهتم اطلاقا لأمرهم ، او حتى خوفهم البريئ علي .

لم تكن الاسكندرية تعنى لى او لكثير غيرى ، على ما اظن  ، أكثر من مكان للترويح الشاطئى فى الصيف ، ولم يكن يعكر صفو تلك الرحلات سوى ذلك الاصرار الغريب من ابى على زياره خالته عيوشه فى منزلها ببحرى بجوار رأس التين .

بيت عيوشه كان صغير للغاية ، يكاد يكون حجرة واحدة بمنور به حمام ، ولازال الفخر يملأ ابى بأن امه هى التى اقترحت على اختها ، ان تضم المنور للحجرة وتضع به الحمام ، مقابل اعطاء المالك اجر اضافى .

ترتسم الزيارة العائلية بحكاوى ودردشة ، وهو فن يجيده ابى بامتياز ، حكاوى من ذلك النوع عن الذكريات المرحة للمصايف التى تنتهى عادة بالضحك بعد تذكر الموتى والثناء عليهم والترحم لهم  ، بالاضافة لتفقد الاحياء واخبارهم التافهة ، فلان اتجوز ، فلان خلف ، فلان حلق دقنة ، ولا يبدو ان لهذه القصص نهايه بالرغم من انها نفس القصص والحكاوى تتكرر كل عام .

 بيت صغير فى سوق قذر فوضوى ، بيت لهؤلاء اللذين كافحوا ولا زالوا يكافحون لا لأجل شئ ، بل لأجل فقط ان يتمكنون من العيش ، هؤلاء اللذين لازالوا معتقدين ان الصبر مفتاح الفرج ، يخرج ابى مبلغ من المال ويعطيه            خالته بدل زيارة . وبالطبع يعوضنا بفسح كثيرة عن هذه الزيارة التى تعتبر بمثابة تكدير وكأبة بالنسبة لنا .

#######################################

لا ادرى لماذا تذكرت الاسكندريه بالذات ؟ ربما لان ابى قال لى ذات مرة ان الاسكندرية تتكون من طبقتين فقط ، طبقة الاغنياء اصحاب المصانع والشركات وهم ذو ثراء فاحش ، والطبقة الثانية هم الفقراء شديدى الفقر ، ولا تعرف الاسكندرية طبقة وسطى .

او  ربما لان اختى عندما تزوجت فى الاسكندرية اضطررت لزيارة مناطق عشوائية قذرة فى الاسكندرية التى يقول الكاذبون عنها انها عروس البحر الابيض المتوسط وانها مدينة السحر والجمال والفن ، لم اجد ذلك فى الاسكندرية القبيحة ، اسكندرية الفقراء ، العوايد ، الرأس السودة ، المطار ،الرابعة الناصرية . وكأن اسكندرية الكورنيش ومحطة الرمل و المعمورة والمنتزة قد تبخرت من ذهنى .

#######################################

ما علينا وبصراحة ؟ اننى بحاجة لأى (  مال ، تفرح به زوجتى ) تقدير مادى او حتى تقدير معنوى يخرجنى ولو لبعض الايام من الاحباط الذى بلغ حد اليأس ، احباط يتذوقه كل مبدع مثقف فى بلد مثل مصر .

 وكيف لى ان اعرف انى مبدع ومثقف سؤال وجيه ؟ والاجابة لاننى ببساطة عاطل ولا يرضينى اى عمل ولا يرضى عنى اى عمل ، ومنذ متى والعاطل مثقف او مبدع ؟ لاننى ببساطة خريج جامعة ( اداب فلسفة ) بتقدير جيد اى مؤهل عالى اى اسانس على رأى ابو يوسف المكوجى فى مصنع للملابس بشبرا  ، وليس مؤهل متوسط يجد شغل بسهولة ؟ وليس صاحب بالين بيشتغل فى اى شئ ملوش علاقة بتخصصه ، انا مصر : مش هشتغل غير فلسفة ،  بل ومتفرغ للدراسة وحصلت على عدد لا بأس به من الجوائز التى تقول انى اعرف فن الكتابه   الفلسفية .

 وعلمت عن مسابقة تقيمها جماعة مغامير فقلت لنفسى أكتب أى كلام فارغ ككلامى المعتاد واقدمه للمسابقة والارزاق على الله .وتشترط المسابقة مكان من ثلاث منهم حى الحسين الذى ازوره حاجا الى اهل البيت كل شهر ، فاجد فى ذلك خير عون على هروبى المؤقت من الحياه العامة ،  ولكن علاقتى بهذا المكان تقليدية نمطية ازور وادعى واقعد على قهوة وخلاص،  ولا اتذكر الان المكان الثالث

المكان الذى اخترته فى الاسكندرية هو قلعة قايتباى ، وذلك ربما لانى اكتشفت بوادر فكرة قد تكون ادبية الى حد ما ، فكره الحصن الذى نتخفى فيه من العدو ، الحصن الذى نلجأ اليه عندما نريد الاحتماء والامان ، الحصن الرمز رمز لمكان حكمت منه مصر قديما ايام مجدها ، والان يحكمه الباعة الجائلين والمرتزقه والصيع .

لا لا فكرة ادبيه ولا يحزنون فقط كل ما يربطنى بالمكان انه  فى يوم من الايام سمعت ان جوز بنت خالة ابى عيوشه يؤجر عجل فى الصيف امام قلعة قيتباى ، وهو موظف ومؤهل عالى خريج زراعة اثر ذلك فى جدا وعندما ذهبت لاتسنكح امام القلعة ليلا واكل جيلاتى عزة ، قلت فى نفسى هل سينتهى بى الحال لبيع الفيشار او غزل البنات . 

اربع صفحات هى كل ما استطعت كتابته ، لاننى ليس أديبا أتفنن فى العرض الادبى الوصفى ، ولكنى اوتيت عقلية مختلفة لا تسعى للجمال من الفن ، بل تسعى للفضفضة والتواصل الانسانى ، قالك آخد الفن لسان ، ولا يعرف شيئ على الفن غير انه تواصل بين انسان وانسان ، لمعانى مش قادر يشيلها كلام .

عن كل الهاربين

احمد حمدى 


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حلم الخلود الإنسانى أو فيلم إسكندرية نيويورك .....قراءة فلسفية

  حلم الخلود الإنسانى   أو فيلم إسكندرية   نيويورك .....قراءة فلسفية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ            يعد فيلم إسكندرية – نيويورك آخر ...