إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 19 يوليو 2022

نبوش فى أضرحة الذكريات

 

نبوش فى أضرحة الذكريات



احمد حمدى حسن حافظ

النبش الأول

العالم الذى لا نحيا فيه !

حيث تتعامد أشعة الشمس الذهبية على أحد بقاع الصحراء القاحلة فى الربع الخالى فى شهر أغسطس الحار ، ويملأ السراب الأفق فى معظم انحاء الصحراء ، وتتحاور الرمال الصفراء فيما بينها ، حوار يعزف على ايقاع الصمت والظمأ ، تهب رياح شرقية حارة مسرعة لتبعثر حبات الرمال ، وتكسبها نوعا من القشعريرة الحارة ، وتتغير معها ملامح الارض الجامدة ، فتتحرك الكسبان الرملية حركة مباغته نحو الغرب .

فى هذا التوقيت ومنذ اكثر من حوالى 25 سنة سقطت أحد أوراق الأشجار الأستوائية العملاقة على الأرض ، فأحدثت صوتا لا يكاد يسمع إلا من بعض الطيور فى السماء ، ذو  الحساسية للصوت المرهف ، فانزعجت هذه الطيور وطارت نحو الجنوب .

 فى هذه الأثناء كانت فتاة تدعى صوفيا تتمدد على سريرها بين اليقظة والنوم ، هائمة فى احساس بالنشوة يملأ جسدها ، حيث كانت صوفيا تحلم ذلك الحلم المتكرر المشهور لدى البنات عن فتى احلامهم ، ذلك الشاب اليافع نفسه على الحصان الابيض .

كان يجلس على القهوة ممسكا فى يديه الأرجيلة ، حين طار الدخان من فمه ، وهو يفكر فى الصحراء فى فترة الظهيرة ، وورقة الشجر الاستوائية ، وصوفيا ، لقد كان ينظر الى الأرض ، ولكنه كان يفكر فى العالم بهذه الطريقة . تلك الاشياء المهملة التى لا نلتفت اليها كنشوة صوفيا او سقوط ورقة شجر او هبوب رياح شرقية على أحد بقاع الصحراء ، كم من الاحداث نتجاهل .

نحن فى سجن محيط أدراكتنا الضيق ، نظن اننا نعيش فى العالم ، فى حين اننا نعيش فى محيط ضيق من ادراكتنا المحدودة ، ولا ينفتح وعينا على العالم بالطريقة التى تليق بان نقول نحن نحيا فى العالم حقا .

النبش الثانى

المنبت

تتصاعد ابخرة الوحدة من فمى ، أنى منبت ، أنى أشعر بالوحدة مرتان : مرة لأننى قررت ان أكون وحيدا ، ومرة لاننى وحيدا بالفعل ، أتمنى ان أكون إنسانا ثريا من الداخل ، أجد فى نفسى ما يكفينى عن كل البشر .

 لقد كنت فيما مضى إنسانا وحيدا متمتعا بوحدته لاقصى حد ، لانه كان فى داخلى شخوص كثيرة واحاسيس ومشاعر دفينة تتعارك فيما بينها محدثة نوعا من الامتلاء ، انه المرض !

 انما الفراغ الذى اضيف لوحدتى هو الذى افسد على تلك الوحدة ، ولم يجعلنى متمتعا بها ، وبالرغم من ذلك فانا أريد قدرا من الصمت لأتأمل فيه وجه حبيبتى التى قررت ان انساها . ولا ادرى اذا كنت حقا قررت ان تخرج من حياتى ، لماذا حضورها الرهيب يفرض نفسه علي ؟  وبالذات كلما حاولت ان انساها ! انها ببساطة ليست    لى هذا ما شعرت به اخيرا .

لاننى ليس كفئا لها أو لأنى لا أريدها تتعلق بشخص لم يعرف ذاته بعد ، شخص لم تتحدد هويته ، ضائع فى غمار عدد كبير من الناس ، ضائعون فى بلادنا،  لم يعرف على وجه الدقة من يكون هو؟ لم يمتحنه الموقف الحياتى بعد ليثبت ان كان رجلا او مجرد هلاما حيوانيا ، كائنا يتغذى على فتات ما يلقى له وسط هذا الكم الهائل من البشر .

اقسم انها اجمل امرأة قابلتها فى حياتى ولا أدرى لماذا اقسم ؟ وهذا أوضح الأشياء .

وسط هذا الكم من المشاعر المشتتة حيث لا حاضر ولا مستقبل واضحين لى،  أشعر اننى تائه ، او ان شئتم صراحة لم أتحدد بعد !هذا وان كان الماضى قد حدد بعض ملامحى ولكن انطوت صفحة الماضى تماما ، ولم يعد موجودا منه سوى صور باهتة لأحلام لم تتحقق ولن تتحقق .

النبش الثالث

الانتفاضة

وبعد مرور سنوات وجد احمد فى ميدان التحرير(قبل ان يعرف ثورته ) هائم على وجهه ، لا يدرى الى اين يذهب ؟وكأن السنوات قد أخذت منه حلمه وجعلته يشيخ قبل مرور الاوان .منذ انتفاضته الأولى الذى دافع فيها عن الحرية ، وانطلق يستكشف الحياة بحلوها ومرها الى انتفاضته الثانية الذى ادرك فيها معنى الاتزان بين كون الانسان حرا وكونه مقيدا بقيود اجتماعيته وحدود بيئيه حيث الأمن والأمان .

لقد مرت بنا ايام كثيرة منذ اول مشكلة دينية ، منذ قلت انا ملحد ! ومرورا برؤيتى لعبقرية ميزان الحرية الاسلامى ! لقد كانت ايام دافعت فيها باستماته عن حريتى ،حتى وجدت نفسى بحاجة الى قيود اتوهمها من خارجى حتى ارتاح .اليوم هل هذه القيود قيدتنى تماما بحيث لا استطيع الزحزحة فى مكانى ربما استطعت الزحزحة من اجل الطعام او الشراب او الدخان لكنى لا استطيع الزحزحة من اجل مفهومى المطلق عن الحرية .

 لقد جعلتنى الحرية شاعرا بفضاء العالم العدمى فاخذت املئه ابداعا متصاعدا متناميا الى ان توقف ابداعى وخبت العاصفة ومرت سنين كفاحى كزوبعة فى فنجان .

هل حقا كل شئ هادئ فى نفسى ؟ هل حقا الأمن مستتب ؟ هل حقا انا فى انتظار النتيجة ؟ ام فى انتظار انتفاضة ثالثة تتشكل بداخلى وطال هذا التشكل ، والى اى اتجاه ستكون هذه الانتفاضة ؟ لا ادرى !

اخافها ،اخشاها ، احاول ان اهرب من ايامى بالنوم والانشغال بالاشياء التى لا تشغل انسان عاقل ، اريد الهروب الى القيود فى اللحظة التى يفتح فيها السجان كل ابواب الحرية امامى ؟  اين انا بحق الجحيم ؟ اين ؟ اين ؟

اضيع انى اتساقط هربا من نور الحرية تلك الحرية التى دفعت حياتى ثمنا لها حرية البحث العلمى ، حرية الطالب والباحث، حرية وديمقراطية الفن ، حرية العقل فى حركيته ولو قادته للجنون ، الحرية الدينية الشاملة ، حرية حرية كلمة مرموزة مشفرة فى تاريخ حياتى.

 يقولها الآن الامريكان، استطاعوا تحقيقها فى العراق، بل فى العالم ! فماذا بعد ستمر الايام دون جديد ،وسيغلق باب الحرية البنائه وتفتح ابواب حرية النوم حرية الاستسلام للقيود حرية الخوف من النور ومن الظلام وتساويهما ، هل تلك الحرية التى اردت ؟ اين استكشاف العالم ؟ وهل انتهت الرحلة ؟ اين استكشاف النفس ؟ وهل انتهت الرحلة من طاليس الى هيجل؟ طيرى طيرى يا طيارة ، بولا بولا بارومبلا .

النبش الرابع

نهاية المعانى

يتعرى ، يتكشف ، ينسلخ ( حتى يتفسخ ) عن جلدته ، ويعلن انه عاجز ( فارغ ) وما كان فى يوم من الايام قادرا ( ممتلئ ، مكتفيا )، بل محض فضاءات معتمة ملتبسة على مدار تاريخه ، ادعى انه كان فيها قادرا .

اننى اعود لاكتشف ذاتى فأراها عاجزة كل العجز عن اكمال المشوار الذى حلمت به يوما من الايام ، فتارة تتوه المعانى عنى فأعجز عن جمعها ، وتارة أتوه عن المعانى فاخلد لسكون واستسلام النوم واليأس وتارة أمل من تلك الذات التى يسيطر عليها الخارج وتبدو فارغة من الداخل .

اننى لا اصلح ليس لاننى ذاتا مشوهه تم ختان عقلها وفكرها ، ولكن لاننى ذات متعجرفة رفضت الانصياع لامر الواجب ، فانهالت عليها فوضى حياتها تجرها الى قاع الحيوانية المرير .

اشعر اليوم باننى ما عدت اطيق حياتى لاننى عجزت عن حمل الامانة التى ظننت يوما ما انى قادر على حملها امانة الفكر والعلم .

ولم اعد الا انسان طبيعيا باحثا عن قوت يومه ، ومستقبله لا يحمل اكثر من الاحداث الطبيعية التى تحدث لكل انسان حيوانى ، منقاد وراء رتوش صنعها التاريخ واسماها الواقع.

 اننى اريد ان اعترض على ذاتى واجرها جرا وراء الانقضاء وهى قد انقضت بالفعل ، ولم يعد فيها اى ضوء او خيطا رماديا نحو الضوء ، فى ظلام حياتى وفى قاعها المرير لا اجد غير ان امد يدى لذات واحدة لا ادرى هل هى تفهمنى او هل هى تخلص لى .

النبش الخامس

وردة حمراء

عندما ألقيت بتلك الوردة الحمراء فى النهر المعطر العذب الذى يصب فى البحر المتلاطم الأمواج ليتخلل عبر فتحات ضيقه ماءه الى محيط من ماء ارضي متواصل ، أحسست بالخطر .

فما كان في يدى انذاك ورقة مليئة بالورود منقوش عليها بخط ايدى صغيرة ترتعش   " الى الفنان الذى لم ينفصم عن فنه فكان هو هو فنه لذا توحدنا معه فى صدقه أهدى هذه الوردة "وكان التوقيع زميلك فى إنسانية انتهت منها السرديات الكبرى لتصبح الذرة الإنسان الفرد حدوته كونية أن شئت مصرية

احمد حمدي

كنت قد قررت ان أعطى هذه الورقة الصغيرة لواحد من أهم رواد فن السيرة الذاتية وان كان اختار أداة السينما السحرية وهو شاهين السينما المصرية يوسف. بمناسبة عيد مولده الثمانين بالمجلس الأعلى للثقافة.

 إلا انه وبعد أن أتى وبعد أن صفقنا له أصيب بنوبة مرضية أعجزته عن الكلام ونقل بالإسعاف قبل قطع التورته ، فلم أتمكن من ان أعطيه ورقتي اما الهدية (الوردة الحمراء ) فبقيت فى يدى ان القيتها  من كوبرى قصر النيل ، لتكون هديتى لكل الصادقين المخلصين من البشر فى هذا العالم ....

مرت الأيام والموقف كأحداث كثيرة نظن إنها تمر دون أن تترك بداخلنا شئ

وكان عيد مولدى السابع والعشرون .... اعياد الميلاد كم هى سيئة ... لقد أصبت فى هذا اليوم بأزمة حادة شخصها الأطباء على أنها أزمة اضطراب الهوية هل لا اعلم حقا من انا ؟ تجولت بين اوراقى المبعثرة فى حجرتى أتسأل من انا وماذا يعنى 27 عاما بالنسبة لى ؟

لقد مرت بى خبرات عديدة ولكنى فى النهاية تائه ولا أدرك من انا ، انا الذى ولد فى ظلام اغسطس 81 وبحث عن كل السبل لكل الأنوار وفى النهاية لم يرى غير الصمت .

اننى لا ادعى امتلاك ايه حقيقة عن ذاتى و لا ادعى لها تميزا ولكن اعتقد ان رحلتى  بحاجة  لان ترى ، ترى ممن هم اصغر منى سنا او ممن هم لم ياتوا لهذه الحياة بعد وعلهم يخبروني من انا ؟وما مصدر هذا التشظى والشيزوفرنيا فى ذاتى؟  لا ادعى اننى اله ولا ادعى اننى حيوان انى بشر وحدوتتى تروى كل يوم باشكال متنوعة ارها فى عيون البشر التائهين من امثالى .


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حلم الخلود الإنسانى أو فيلم إسكندرية نيويورك .....قراءة فلسفية

  حلم الخلود الإنسانى   أو فيلم إسكندرية   نيويورك .....قراءة فلسفية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ            يعد فيلم إسكندرية – نيويورك آخر ...