إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 29 نوفمبر 2021

التأنقية لدى الايليت فى فرنسا الحديثة

 

التأنقية لدى الإيليت فى فرنسا الحديثة

قراءة فى مجموعة من 12 صور للمصور الفوتوغرافى الوثائقى(1) الفرنسي اوجين اتجيت Eugène Atget (1857-1927)

بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ

(1)



(2)



(3)



(4)



 

 

(5)



(6)



 

(7)



(8)

 


(9)



(10)




 (11)



(12)



 

 

        أوحين فى زمانه ومكانه يعكس "طبيعة شعب" : إذا تحدثنا عن باريس تداعى لنا خيال سحري خلاب يخص صورة من نور عن " مولان روج " ؛ قصة حب أبدية فى باريس ولباريس مدينة النور , التى تكاد الروح تنفطر فيها لتخلع عباءة الجسد نحو أنور برج أيفل الأبدية . وإذا ذكرت بريطانيا تذكرنا بإمبراطورية باردة لا تغيب عنها الشمس وفى آن واحد نادرا ما تشرق عليها  فغبار المصانع وبرودة الجو وقوة الآلة عموما و الحربية خصوصا والأسطول البحرى لسيدة البحار أول ما يتداعى للذهن , تشارز ديكنز بحدة عباراته , شكسبير بأصالة إبداعه . أما أوروبا البحر المتوسط فتذكرنا بأحب الأشياء و أقربها إلى ثقافتنا وخصوصا السكندرية مننا، أما إذا ذكرت دول الشمال والدول الاسكندنافية ذهب ذهننا للفراغ الإبداعي الحر والهدوء الانفعالي الدافئ في برودة لا نهائية . لكل شعب طبيعة وإذا أردت أن تفهم شعبا اقرأ فلسفته هكذا قال براتراند راسل ولكن للدكتورة سلمى مبارك رأى آخر.

       إذا اردت ان تفهم شعبا أنظر إلى ما قدمه من فن ، أنظر إلى صور فوتوغرافية توثيقية احيانا ولكنها فنية فى اكثر الاحيان الاخرى يصعب تصنيفها بين الفن والتوثيق المجرد ، انها صور مصور فوتوغرافى تأثر بحساسية التأثيرية والانطباعية التشكيلية التى راهنته (2) وارهص بحلم جديد لسريالية فنيه تخترق الفنون  ، إذا أردت أن تفهم فلسفة شعب استشعر روحه واستبطن طبيعته من خلال فنونه المصوره أولا .

       يقال انه  من عام 1870 الى عام 1914 -وهى الفترة التى التقط فيها أوجين معظم صوره أو كما يحلوا لدكتورة سلمى لقب "مصور المدينة " - تسمى فى الكلاسكيات الادبية  "العصر الجميل فى تاريخ العالم " Epoque  Belle  حيث : تفاؤل – سلام – رخاء – لم يبزغ بعد المنظور المادى للحياة – لم يبزغ بعد التحول الديمقراطى بمشاكله . الحياة لا تزال بسيطة بلا حروب ضاريه حيث وكانت احدث الاختراعات فى هذه الفترة هى ( طائرات – سفن – سكك حديد – تليفون – تليجراف ) ، ثم كانت الحرب العالمية الاولى لتغير ذلك 1914؛ حيث رغبة الدول الصناعية العدوانية لتمارس السلطة خارج حدودها وتتحكم وتحكم الاخريين فتحالفت المانيا و( المجر والنمسا) و(ايطاليا ) ضد ( روسيا – بريطانيا – فرنسا ) وكان التنافس على تقسيم الامبراطورية العثمانية (رجل اوروبا المدين) ، ومع ظهور امريكا والحرب الباردة استمر    الصراع(3).

    وفى ذلك العصر العصر الجميل السعيد بالتحديد يصور انجيه الحزن والكأبه والبؤس الشتوى فى مدينة حكم عليها بالهدم لصالح باريس الجديدة ياله من باردوكس ! تعكسه صور انجيه ذلك لان من عاشوا فى هذا العصر لم يكونوا مستشعريين انهم يعيشوا عصرا جميلا حيث كان هناك فقراء وكادحون وكانوا يزيلون باريس القديمة بكل همومها وآلامها وأحلامها لصالح اعادة التخطيط العمرانى و بناء باريس الجديدة بأموامر جنراليه عسكريه فكانت الاجواء بطبيعتها تسودها الكأبة والحزن وخصوصا للطبقات الكادحة التى كان منها وفيها وضمنها المصور الفوتوغرافي أوجين أتجيت .

    فى مجموعتنا المختارة من الصور أوجين يسخر كما تكون السخرية فيأخذ اللقطة الفاضحة كلوس أب للباترينات والمنيكانات ذو الالواح الزجاجية العاكسة لبرودة الجو وانعكاسات الشوارع المنمقة الخالية من المارة فى صباح بارد ليسخر من تأنقية الايليت البرجوازين تلك الطبقة الصناعية الجديدة الناشئة فى المجتمع والتى تستغل الفقراء والكادحين ، ربما هيجل كان حلقة وصل بين فرنسا النور الروحي وألمانيا الأنوار العقلية وهيجل كوجيف هو ما عرفته فرنسا بالذات ، فكانت الحداثة الفرنسية وعصر الانوار يتمادى فى دعوته التأنقية للبشر بأسم الفكر والفلسفة  .

    ففرنسا عرفت عدة نجوم فى الفلسفة والفكر تحاول نقد الحداثة التنويرية العقلانية الجامدة عند كانط وهيجل والداعية لتأنقية البشر من أول المذهب الروحى الصوفى الحدسي لبرجسون فيلسوف الحياة ثم الوجودية السارترية الفرنسية ثم "ما بعد الحداثة الفوكويه" حيث كان ميشيل فوكو أشهر نقاد الحداثة الغربية على طريقته المبدعة .

    وقد تحدث فوكو وبودلير كثيرا عن التأنقية والغندورية التى أمتازت بها فترة الحداثة ففوكو يرى التأنقية هى الفخر الشديد بالذات الذى يصل إلى حد عبادتها  . تلك التأنقيه بالتحديد هى ما يعبر عنها ساخرا أوجين من خلال مجموعة صور الباترينات .

    نجد فى الانجازات الفنية الحديثة التى تعتمد على الإبداع والابتكار الفردي كانجاز اوجين اتجيت التوثيقى لباريس القديمة وعلى مستوى اللغة المستخدمة والتمثيل في الوسيط الفوتوغرافى نزعة التأريخية والعاطفية العابرة عالية والحداثة والأبدية منخفضة (4)على عكس طبيعة العصر الفكرية التى صاغها الايليت البرجوازيين فى أن الجمال الأبدي موجود فقط كاستخراج من الحداثة الابدية بقيمها تلك الحداثة التى من أجلها تهدم باريس القديمة .

     ان تصوير البشر كان قليل جدا ونادر عند اوجين ربما لطريقة التصوير التى تتطلب الثبات او لانه اختار مشروع توثيق المبانى ولم يصور الا مانيكانات او اشخاص هامين بالنسبه له كالعاهرات وحشد من الاطفال وحشد من الرجال .

     ان أوجين بدا كناقض ثورى للحداثة بروح فرنسية اصيلة يعكس ازماتها واهمها التشدق العقلى ببرودة العقل ذلك مع بداية ظهورها فى باريس فلقد عبر عن التأنقية بسخرية من خلال تصويره الباترينة كحدث يعرض لمنتهى التأنق والفخر الإنسانى من خلال الملابس والموضة ، عبر عن التأنقية عند النساء الايليت  (صورة 1،2،3،4) والانف الشامخة والوجه الناظر لأعلى وعبر عنها عند الرجال الايليت (5،6،7) وعبر عنها بتصويره لذلك الملبس الداخلى للنساء الذى يشد الجسم ويضبط ترهلاته ويحد من حريته فى صالح التأنقية "الكورسيه " (8) ثم خرج خارج اطار الباترينة ليعبر عن الروح الشعبية القديمة التى لا تفهم الحداثة التأنقية ولا تريدها أصلا (9،10،11،12 ) مانيكانات بلا وجوه وبلا فواصل زجاجية وفى حيوية    الشارع .

    وزجاج الباترينة العاكس لصور خارج المجال الملتقط منه الصورة وهو ما عبر عنه البعض بسريالية أوجين وهو يعبر عن تفوق تقنى فى تقنيات التصوير الفوتوغرافى التى كانت بدائية فى ذلك الوقت . هذا الزجاج يريد ان يقول لتأنقية الحداثة إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا  . 

 

            



(1) ياسر علوان : مرآة أم نافذة كيف تفك شفرة الصورة الفوتوغرافية ،المروج للنشر ،2015 .

 

(2) استكشاف جذور التصوير الانطباعي

https://evapolak.com/Impressionist-Photography.html?fbclid=IwAR1tJ25CsJbxgf7uF3wR0pfL7q8Li4KxlpZZZUDg-_YrABO4LoAJQj1l4Pw

(3) أحمد زويل :عصر العلم .دار الشروق 2005 ص 172

(4) انيتا سيبيا :فوكو ، التنوير و أستاطيقا الذات https://freeforphilosopher.blogspot.com/2021/11/blog-post_30.html



 مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حلم الخلود الإنسانى أو فيلم إسكندرية نيويورك .....قراءة فلسفية

  حلم الخلود الإنسانى   أو فيلم إسكندرية   نيويورك .....قراءة فلسفية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ            يعد فيلم إسكندرية – نيويورك آخر ...