إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 13 ديسمبر 2021

النقد الفنى فى الفن التشكيلى

 

النقد الفنى فى الفن التشكيلى

بقلم : احمد حمدى حسن حافظ

           يشمل النقد الفنى الذى هو أحد المجالات الفلسفية ، نقد نظرى لتحديد المصطلحات والمداخل والمناهج للتعامل مع العمل الفنى ، ونقد تطبيقى يتمحور حول العمل الفنى ذاته .  والمدخل النظرى الجديد الذى اتبعه فى نقد الفن التشكيلى يمكن التعرف عليه من خلال النقد الثقافى للعمل الفنى فى مقابل النقد الجمالى  :

        الفن  هو أحد أهم  النشاطات الإنسانية العملاقة المترسبة في التاريخ طولا  وعرضا , وهو تلك الظاهرة التي يتفرد بها الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى , ومن هنا لا يمكن  النظر للفن كظاهرة منفصمه عن الوجود الإنساني ككل .  لذا فمن الطبيعي جدا أن تتناول كل العلوم دراسة الظاهرة الفنية أو تتقاطع معها بشكل أو بآخر  فإذا نظرنا للعلوم الطبيعية وجدنا :  ذلك الكيميائي الذي يهتم بدراسة الألوان ، واكتشاف الجديد منها وتطوير المواد الكيميائية التي تعتبر مصادر يتعامل معها الفنان ويرتبط تطورها بتطور الفن ذاته. وذلك الطبيب الذي يدرس الجسد والنفس الإنسانية ، بل أن العلاقة بين تشريح الجسد الإنساني والفن علاقة أصيلة ، وكذلك فهم العملية الادراكيه للإنسان وأغوار النفس الإنسانية يعتمد فيها على الفن . و ذلك المهندس الذي يتحدث عن تصميمات فنية ويأخذ منه الفنان المنظور والنسب . وذلك الفيزيائي الذي يدرس  الضوء والصوت ويخترع الآلات التي تسهل للفنان عمله وتتفاعل معه. وكذلك نجد ذلك البيولوجي الذي يهتم بتصوير ورسم الكائنات الحية المختلفة فيستعين من الفن أساليبه ووسائله. و هذا ليس حصرا و إنما مجرد إشارات والجدير بالذكر ذلك الاكتشاف المعاصر الذي وجد أن فناني عصر النهضة استخدموا العدسات لعكس صور الموديلات على لوحاتهم لتعج صورهم حيوية خلابة . وكذلك نجد العلوم الإنسانية تهتم  وبوضوح اكثر بالظاهرة الفنية كعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة ..الخ .       وان كانت طبيعة الفن هي التداخل والتقاطع مع كل شئ في الحياة , فهذا يجعلنا نحيل دراسة الظاهرة الفنية ككل إلى ما يعرف باسم فلسفة الفن والتي تعنى الوعي الكلى الشامل بالظاهرة الفنية وتستفيد فلسفة الفن من علم نفس الفن وتاريخ الفن وعلم اجتماع الفن وما إلي ذلك من كل التخصصات التي تدرس الفن في إطار تخصصها. لكن الباحث في مجال فلسفة الفن لابد وان يجد العديد من المسميات مثل الاستاطيقا وعلم الجمال وفلسفة الجمال  و أخيرا فلسفة الفن  , ثم يجد أيضا ما يعرف بالنقد الفني (بمدارسه المتعددة كالكلاسيكية و السياقية والانطباعية و القصدية و الشكلية ...الخ) ويجد أيضا ما يعرف بالنظرية النقدية.

فيدور في ذهن الباحث سؤال جد هام جد خطير هل كل تلك الأسماء المتقاربة  لمسمى واحد ؟ أم أن هناك حدود فاصلة بين تلك المفاهيم ؟ لا ذلك ولا تلك!

     فالنقد الفني يتميز بكونه يتناول ظاهرة فنية محددة مرتبطة بزمان ومكان وحدث في إطار نظرية نقدية مختارة  فيمكن أن نطلق عليه فلسفة الفن التطبيقية.

    أما صياغة النظريات النقدية والرؤية التكاملية للظاهرة الفنية في إطار وعى مجرد كلى شامل هو الدور التي تقوم به فلسفة الفن عموما.

   أما مشكلة ما يعرف بالاستاطيقا  وعلم الجمال وفلسفة الجمال هي مشكلة خاصة بالتطور التاريخي في علاقة الفلسفة بالفن والذي مرت بالعديد من المراحل والوقفات , والتي نستشف منها  أن "حيرة الفلسفة إزاء الفن كانت اشد بكثير من حيرتها إزاء العلم" , وذلك لان الفلسفة لم تشيد صروحها إلا بعد أن كان الفن قد اصبح راسخا وقديما  فضلا عن اشتراكهما آي الفلسفة والفن في نفس الموضوع إلا وهو الحقيقة.

صراع الفلسفة والفن :

" أن صراع الفلسفة والشعر هو صراع جوهري أبدى في نفس كل مفكر"

افلاطون ومن المعلوم أن أفلاطون تخلص من كل ما كان كتب من فن عندما قابل سقراط واختار الفلسفة طريقا .

 " فيعرف الفنان جيدا حقيقة ما يعبر عنه ولكنه كثيرا ما ينتهي في تعبيره إلى السطحية والشكلية الساذجة واللغو أما الفلاسفة يتحدثون بمنطق وعمق ولكنهم قليلا ما يعرفون حقيقة ما يتحدثون عنه "

وأستطيع أن أقول أن كلمة السر في هذا الصراع هو ذلك الفصل التعسفي التي عرفته الإنسانية حتى وقت قريب بين المعرفة باعتبارها مجرد نظر  والممارسة باعتبارها مجرد عمل , فالمعرفة باعتبارها ممارسة هي فن والفن باعتباره معرفة هو فلسفة .

ولنتتبع مراحل ذلك الصراع التاريخي

في نهاية عصر النهضة وبداية عصر التنوير تقريبا ظهرت الاستاطيقا كمبحث فلسفي خاص , والكلمة استاطيقا  تعنى الخدر التخدير أو حالة السكر والنشوة  الروحية وغياب العقل , واستخدم الكلمة أول مره في مجال الفلسفة الألماني باو مجارتن.

 والسؤال الذي يتبادر للذهن ما هي الدوافع والمبررات لظهور ذلك المبحث الفلسفي ؟  ولماذا انتظر الفلاسفة بداية عصر التنوير حتى يخصصوا مبحثا فلسفيا لدراسة الجمال ؟ ألم يتحدث اليونانيون عن الجمال والفن عموما ؟ آلم يحدد ارسطو مباحث الفلسفة دون ذكر لهذا المبحث؟ هل نسى ارسطو تحديد هذا المبحث ولم يتحدث عنه إلا في الاورجانون أي أداة العلوم ومنطقها بكتابه الشهير عن الاقيسة الشعرية (الشعر)  كنوع من المنهج المعرفي ؟

  أن الإجابة على ذلك السؤال هي ذلك الصراع الثقافي الذي حدث في تلك الفترة بالتحديد , الصراع بين العقل ( كسلطة مطلقة ) والعاطفة فتمثل الفلسفة العقل في الصراع ويمثل الفن العاطفة .

لقد أراد باو مجارتن  حصر الفن في قضية واحدة هي الجمال كقيمة , و الفيلسوف هو الذي يضع المعايير الصارمة التي تحدد الجمال , وهنا عرف علم الجمال وكلمة علم ليست بمعنى العلم التجريبي و إنما تعرف الفلسفة كلمة علم بمعنى منهج معياري للحكم على الأشياء , أما إذا ترجمت الاستاطيقا باعتبارها فلسفة فهي تدل على مناهج أخرى غير المنهج المعياري للتعامل مع قيمة الجمال .

وباومجارتن هنا  يحاول الفصل بين الفلسفة باعتبارها عقل  والفن باعتباره عواطف فهو يهمش كل وظائف الفن ولا سيما الدور المعرفي للفن ويقصر الفن  على التذوق الجمالي فقط , وهو إنكار لكون الفنان والفيلسوف يشتركان في البحث المعرفي عن الحقيقة ولكن كل منهم يختار منهج مختلف .

أن تلك الفترة في المجتمع الأوربي عرفت فيها ظاهرة سلوكية شبابية غريبه وهى البوهيمية أو الرومانسية الشعبية فكان الشباب يتمردون على العقل و الأخلاق والمجتمع وكان هؤلاء الشباب يرفضون الفلسفة كتمثيل للعقل يرفضون العلم عموما سواء كان تجريبي أم غير تجريبي , وكانوا يرون أن الفن بديلا للفلسفة  ويقودون حملة هوجاء ضد العقلانية والفلسفة بالطبع .

مما جعل الفيلسوف الألماني الشهير كانط يرى أن العمل الفني نشاط حر تماما ,  لعب لا غاية له سواء كانت غاية أخلاقية اجتماعية أو حتى غاية معرفية , و إنما ما الفن إلا  شيء يحقق لنا لذة ومتعه سواء كانت عقلية أو حسية ويخرج كانط كتابه نقد ملكة الحكم و الذي يرى كثير من أساتذة الفلسفة أن مذهب كانط كان مكتمل تماما ولم يكن بحاجة إلى هذا الكتاب لكن خروج هذا الكتاب كان رد فعل للحركة الرومانسية وفيه تكلم كانط عن الفن كلعب ومتعة عقلية قائمة على التطابق بين النماذج الموجودة في ملكة المخيلة والعمل الفني فيحدث هذا التطابق لذة عقليه , ولا سبيل الآن للخوض في علم الجمال الكانطى الذي أسس لمفهوم الاستاطيقا كمبحث فلسفي جديد أراد أن يهمش الفن ويحصره في الجمال كقيمه .

لكن هيجل ذلك الفيلسوف الألماني العملاق كان حديثه اكثر صراحة عندما قال أن الفلسفة قد احتوت الفن وان الفن مرحلة تاريخية سابقه عن الفلسفة تحتويها الفلسفة تماما بالفعل تحدث هيجل عن نهاية الفن وبداية الفلسفة .

وكانت تلك الفترة هي فترة النقد الكلاسيكى بحق وهو النقد المعتمد على المنظور والنسب وما إلى ذلك من الأفكار الرياضية القديمة ، برغم أن هيجل عاصر سيطرة النقد القصدي الرومانسي الذي يؤله الفنان وانتقد ذلك بشدة.

ثم أتى الفيلسوف الألماني نيتشة رائد اللاعقلانية المعاصرة ليحاول إصلاح ما أفسده من قبله من الفلاسفة , ليرى أن الفلسفة باعث على الفن والفلسفة هي الخلفية الثرية التي تمد الفن برؤى عامة ليعبر هو عنها الفنان بأسلوبه وبالفعل فنحن نرى خلف كل مدرسة فنية رؤية ما للوجود والحياة كالتكعيبية والسريالية والتأثيرية ...الخ , وبالفعل كان لما فعله نيتشة دورا كبير في تحريرنا من المنظور الاستاطيقى الجمالي للفن

إلا أن تحولات المجتمع الأوربي بفعل تعملق الثورة الصناعية و ظهور مشاكل البرجوازيية الصناعية وتحول الفلاسفة إلى دراسة الاقتصاد وظهور الماركسية والحركات الاشتراكية والعمالية مما كان له اثر كبير في ظهور ما يعرف بالمدرسة الوضعية التي أسست علم الاجتماع نظريا كرد فعل لعلم الاجتماع الماركسى يتحدث ماركس عن الثورة ويتحدث الوضعيين عن الثبات واعتبرت الوضعية  أن الفلسفة مجرد تخاريف ميتافيزيقية لا معنى لها وان الوضعية هي الفلسفة كعلم حقيقي قائمة على تحليل مقولات العلم التجريبي  , ونظرت للفن باعتباره محض ظاهرة اجتماعية لا تفسر إلا في ضوء السلالة والبيئة والعصر وهنا ظهر النقد السياقي والمنظور الاجتماعي للظاهرة الفنية و التي تطور فيما بعد لتصبح سوسيولوجيا الفن و التي هي أحد العلوم الناضجة التي تدرس الظاهرة الفنية وتستفيد منها فلسفة الفن في إطار رؤية اكثر شمولا , وظهرت أيضا في تلك الفترة  تلك المزحة المتمثلة في علم الجمال التجريبي كدراسة كمية تجريبية لا نجد لها تفسير سوى تلك النزعة الطفولية  لمحاكاة العلم التجريبي الطبيعي باعتباره انجح العلوم .

ثم انفعل علماء النفس وقالوا ما الفن إلا ظاهرة نفسية ذاتية سواء اعتمدوا في تحليلهم للعمل الفني على فرويد و اللاوعي والحلم  أو اعتمدوا على الجشتالت و الإدراك والسلوك وما إلى ذلك مما اصبح اليوم تخصص مختلف مهم يعرف بسيكولوجية الفن كأحد العلوم الناضجة التي تدرس الظاهرة الفنية وتستفيد منها فلسفة الفن بالضرورة ولكن في إطار نظرة اكثر شمولية.

وعندما ظهرت البنيوية والحق يقال لم تظهر البنيوية هذه المرة في الفلسفة و إنما ظهرت في النقد الأدبي أولا إلا أنها انتقلت لكل العلوم والفنون , و بدا النظر لكل شيء من الخارج  ، و ازدهر النقد الشكلي إلا أن البنيوية كانت تحمل بداخلها عوامل انهيارها لذا لم تعش كثيرا .

والفلسفة الآن تنظر للفن باعتباره قادرا على احتواء الفلسفة كلها .

الفن يحتوى الفلسفة

أن الفلسفة في عصرنا هذا أصبحت تفخر بكونها فنا خالصا أما تشبه الأدب أو أدب خالص  و تعتمد على التعبير عن أفكارها عن طريق الفن الرمزي الذي يشق طريقه الآن لينتشر وبسرعة بعد ما تخلص الفن من المنظور النخبوى الذى كان إما يخاطب النخبة الثقافية لانه يحتاج لتفسير المدلولات بغير دلالتها الطبيعية و إنما من خلال علاقاتها الداخلية أو يخاطب النخبة الأكاديمية المتخصصة لانه يعتمد على ظواهر بنيوية شكلانية  , لكن الفن اصبح اليوم جماهيريا متميزا بطبيعة ذهنية رمزية و امتلك وظيفة اكثر أهمية من مجرد وظيفته الجمالية او الاجتماعية او النفسية .

فالفن اصبح الأداة التي يعبر من خلالها الفيلسوف عن أفكاره وذلك ما تحدث عنه مؤسس الفن الرمزي  جوزيف كوزوف

 فالفنان الجيد اليوم هو الذي يقدم فنا يحمل عمقا فلسفيا والفيلسوف الجيد اليوم هو الذي يملك أدوات الفنان ليعبر بها عن فلسفته.

وبعد أن خاض الفن معركة التحرر من الدين في عصر النهضة والأخلاق في عصر التنوير فانه يتحرر من الجمال في عصر فى عصرنا هذا .

خلاصة القول

أن علم الجمال مرفوض لانه معياري , وان فلسفة الجمال مرفوضة لان الفن ليس ذو وظيفة جمالية فقط , والاستاطيقا عموما مرفوضة .

وكذلك سيوسيولوجيا الفن التي تحصر الفن في كونه ظاهرة اجتماعية فقط , وسيكولوجيا الفن التي تجعل من الفن محض ظاهرة نفسية .

لكن فلسفة الفن و لأنها تتناول الفن كظاهرة اشمل بكثير وتستفيد من نتائج كل العلوم السابقة عليها هي الباقية كوعى كلى شامل بالظاهرة الفنية .

والسؤال الآن ما هي مناهج فلسفة الفن و الذي يعد جانبها التطبيقي هو النقد الفني  ؟

 ونجد هناك ثلاث صعوبات :

الأولى :

ان الفنانون لا يهتمون بتوثيق أعمالهم في أرشيف جامع مانع فالحصول على مصادر أو مادة فنية أمر صعب للغاية وخصوصا في هذا العصر.

وذلك ناشئ عن الطبيعة اللاتراكمية للفن التي تجعل من توثيقه وحفظه وتوفيره للباحثين لا قيمة له في تطور الحركة الفنية, وان الفن يعتمد في كل تجربه فنية على كونها تجربة صفريه .

الثانية :

مشكلة التنظير للفنون مشكلة قوية لان الفنان دائما يتحدى التنظير لصالح الممارسة ويرى أن التنظير يفقد الفن روعته وسماته التعبيرية لذا قلما نجد تنظير جيد للإعمال.

 مما يجعل   البحوث النقدية معتمدة أولا و أخيرا على الجرعة التي تعرض لها الباحث شخصيا و لا تصل لدرجة أن تصبح عينه ممثلة قابلة لاستخراج أحكام عامة عن الحركة الفنية

الثالثة  

إنني في السطور السابقة دافعت باستماتة عن فلسفة الفن و كيف إنها تختلف عن الاستاطيقا وعلم وفلسفة الجمال والسوسيولوجى والسيكولوجى أين أجد هذا أن المتخصصين في مصر في فلسفة الفن يعدوا على الأصابع كما انه من يقتنع بفلسفة فن مختلفة عن كل الأشياء التي ذكرنها لا وجود لهم ....  انهم محض خيال

مما يجعلنا نقول أن حركة النقد متخلفة عن حركة الفن.

والسؤال الهام الذي يجب أن اطرحه هنا ( قبل أن اترك ساحة فلسفة الفن لعدم تواجدها الحقيقي في المناهج النقدية إلى ساحة أخرى اقدر على إمدادي بمنهج للتعامل مع الفن) هو

ما وظيفة الفن في عصرنا هذا ؟ وكيف أراها ؟ و لكي أجيب لابد من هذا التمهيد

الحياة أداء ......الحياة إبداع

إذا كانت الحياة هي ذلك التفاعل الخلاب المتطور النامي بين الكائن ومحيطه فان الحياة لا تعدو اكثر من ذلك السيل من المواقف التي تتطلب بشكل أو بآخر تدخلا إيجابيا من قبل الكائن من اجل بقاءه  لتصبح الحياة نوع من الأداء الذي يحوى في جوهرة إبداع أصيل .

كل الكائنات تؤدى ومن ثم كل الكائنات تبدع و الإنسان بما هو قمة الكائنات على سلم التطور فانه يتميز عن باقي الكائنات من حيث كونه يعرف الأداء الواعي لا الغريزي فقط .

و الوعي هو ذلك الانعكاس المزدوج بين كون الإنسان يدرك وكونه يدرك انه يدرك فينعكس ذلك مكونا ما يعرف بالذات التي تدخل في صراع نامي مع موضوعها ليتشكل ما يعرف بالروح.  فيملك الإنسان فاعلية كبيرة تؤهله لتغيير محيطة والتحكم فيه لان الفعل الإنساني كممارسة يتميز بكونه معرفة خالصة تتمثل فعلا واعيا .

وجدت من الضروري أن أبدأ بهذه التمهيد العام كي اهدم تلك الفوارق المصنوعة المترسبة من الماضي بين النظر كمعرفة والعمل كممارسة , أو تلك القسمة الطبقية للبشر بين مبدع وغير مبدع ، أو تلك النظرة التي تجد أن الإنسان هو الكائن الوحيد المبدع وكل ذلك من تجليات النموذج الثقافي الرجعى الذي يرى أن الإبداع محض الهام وعبقرية ولا يكون إلا لفنان محترف أو أكاديمي متخصص ,  لانه يضع فوارق جمة بين الأداء والإبداع ولا يعامل الأداء باعتباره إبداع أصيل .

 ما وظيفة الفن ؟

ثمة فجوة معروفة بين الثقافة و التنمية بصيغة اكثر وضوحا بين المعرفة و الممارسة بصورة اكثر عصرية بين المعلومة و تفعيلها في الواقع  بصورة اكثر فردية بين  الذات والآخر.

وظيفة الفن هو ردم تلك الفجوة فالفن هو تلك اللحظة التي يتخارج بها ما في الذات أو المعرفة أو المعلومة أو الثقافة إلى عالم الواقع أو الممارسة أو التنمية أو الآخر .

فلسفة الثقافة.... بديلا عن فلسفة الفن

كلمة فلسفة كعملية تعنى التأمل المجرد الواعي , و التأمل أو التفكير هو تردى انعكاسات الصور الذهنية حول مشكلة ما ( سؤال) من اجل الخروج بنتيجة نهائية , والتجريد في الفلسفة هو اختزال المعطيات العينية على كثرتها إلى مجموعة أفكار محدده  قليلة ما ورائية  ( العلل البعيدة للأشياء ) وهذه الأفكار تمثل الجوهر وهو الموضوع الذي يستحيل وجود العيني بدونه وهو كل ما ينطوي على قيمة في ذلك العيني , وكون هذا الانعكاس مجرد فهو أيضا واعي أي له قصد و أهداف ويمكن التخطيط له وليس نوعا من الاجترار الفكري.

وعندما نسبق أي كلمة أو ظاهرة بالفلسفة فإننا نعنى الوعي الكلى الشامل بالموضوع المطروح ، و فلسفة الثقافة تخصص فلسفي معاصر يتناول ظاهرة الثقافة تناولا تجريدي  فهو يحاول اختزال أي ثقافة لمجموعة من المبادئ الجوهرية التي تحددها. 

وهناك نظريه هامة في هذا الصدد  وهى نظرية تعريف العصر باعتباره فكرة واحدة هامة جوهرية متمركزة يدور حولها كل النشاط الإنساني في مكان وزمان محددين يعبر عنها بتيمه محددة, وبمعرفة هذه التيمه يتم تحليلها من اجل الوصول للأسس الفلسفية التي تقوم عليها ثقافة ذلك العصر المحدد, وبالبحث عن هذه الكلمة المفتاح في ثقافة عصرنا هذا وخصوصا في التسعينيات من القرن العشرين وجد إنها

خلاصة وتأكيد :

نستطيع ان نقول بسهولة اننا فى مرحلة ثقافية استطاع فيها الفن ان يحتوى الفلسفة ؛ من حيث هو اصبح لغة مفضلة للتعبير عن تلك الفلسفة وطروحاتها النظرية ورؤياها , لغة لا تثير مشكلات مثل لغة المنطق والعقلانية , وتحدث تأثير يفوق لغة المنطق والعقلانية , فالفلسفة والفن اداتان ومنهجان للمعرفة , اتسمت العلاقة التاريخية بينهم بمراحل وصراعات منذ كانت الفلسفة بديلا للفن والى ان اصبحت باعثا عليه والى ان احتوى الفن الفلسفة برمتها , فالفلسفة فى تعريف ديلوز هى فن صناعة وصياغة المفاهيم والرؤى والتصورات , لست هنا للحديث عن تطور الفلسفة فى عصر الصورة وكيف اضحت الصورة بتكويناتها وابعادها نوع من اللغة الفلسفية التنظيرية المؤثرة , وليس هنا بصدد الحديث عن اضمحلال العقلانية والرؤية الاكاديمية للفلسفة فى عصر ما بعد الحداثة .

المنظور اللااستاطيقى فى دراسة الفن منهج فلسفة الثقافة فى مقابل الاستاطيقا رد العمل الفنى لاصله كظاهرة ثقافية  :

 ولكنى هنا للحديث عن منظور لا استاطيقى فى فلسفة الفن , منظور يعامل الظاهرة الفنية باعتبارها ظاهرة ثقافية ويقوم بتأويلها والتعامل معها من هذا المنطلق ، وليس من منطلق القيم الجمالية وتحليلها , منظور يقدم فلسفة الثقافة بديلا عن فلسفة الفن . ويعنى بالمرجعيات الثقافية للمشهد الفنى اكثر من عناءه بتحليل ورصد ومعايرة ذلك المشهد .

المرجعيات :

1 - المرجعيات فى الفن

ذكرتني تلك الكلمة بذلك الصخب الإعلامي في عام 1998 حول العولمة والهوية والخصوصيات الثقافية ، وكيف ذكرت خلال تلك الفترة كلمة المرجعيات كثيرا كإشارة للأسس الثقافية المرتبطة بالهوية ،واذكر تلك الصعوبة التي واجهتني في ترجمة تلك الكلمة هل أترجمها

 

- Back ground

خلفية والخلفية تشير ببساطة لعمليتان إدراكيتان

تميز ودمج في آن واحد

تميز للشيء عن الخلفية وذلك في إطار يدمج الشيء بالخلفية

والخلفية تتطلب المعاينة : لأنها منفصلة إلى حد ما عن الشيء وفى نفس الوقت ترتبط بعلاقات جوهرية بالشيء.

ويقصد بالخلفية اصطلاحيا السياق التاريخي والثقافي للشيء موضوع الدراسة.

- Feedback

آي التغذية الاستراجاعية وهو مصطلح هام في مجال السيكولوجي ويرتبط بعملية الأداء الإبداعي من حيث كون المبدع يقوم بعملية تغذية استرجاعية أثناء الإبداع فتبرز ثقافته البصرية والسمعية المرتبطة بمدى قدرته الادراكيه والتذكريه .

أي أن السياق التاريخي والثقافي قد تمثل في محتوى نفسي لفرد ما واثر على إبداعه وتلقيه ويكون الحديث هنا مركز على الثقافة البصرية والسمعية للمبدع والمتلقي.

- Reference

وهى تعنى عملية إحالة وعودة لاعمال سابقة يعيد المبدع صياغتها أو يتأثر بها.

- Resource

مصدر أو مورد تم الاعتماد عليه كليا في العمل.

- Foundation

أسس مرجعيات ويقصد بها مجموعة المبادئ المستمدة من عقيدة أو فلسفة أو توجه ما ، ومن الممكن أن تنعكس في المشهد الفني وهى الترجمة الاصوب والتي سأعتمد عليها وستحيلنى إلى فلسفة الثقافة كمدخل لدراسة الفن التشكيلي بدلا من المدخل المعتاد المتمثل في فلسفة الفن لأنني ابحث في المرجعيات وليس في المشهد الفني مباشرة.

وهناك نظريه هامة في هذا الصدد وهى نظرية تعريف العصر باعتباره فكرة واحدة هامة جوهرية متمركزة يدور حولها كل النشاط الإنساني في مكان وزمان محددين يعبر عنها بتيمه محددة ( الابستيمه ) ، وبمعرفة هذه التيمه يتم تحليلها من اجل الوصول للأسس الفلسفية التي تقوم عليها ثقافة ذلك العصر المحدد، وبالبحث عن هذه الكلمة المفتاح في ثقافة عصرنا هذا وخصوصا في التسعينيات من القرن العشرين وجد إنها " جدل الحداثة و ما بعد الحداثة " . ليس كموضوع خاص بالفن التشكيلى وانما كموضوع خاص بحقبة ثقافية معاصرة . ونحن نرى ان الفن التشكيلى على وجه الخصوص كان من اهم النشاطات التى عكست جدل الحداثة وما بعدها فى المشهد الفنى و الثقافى العالمى , وخصوصا فى حقبة التسعينيات من القرن المنصرم , وكأن جدل الحداثة وما بعدها كان مرجعية الحركة التشكلية العالمية فى تلك الفترة .– فترة التسعينات

ولا شك ان الحركة التشكلية فى مصر وعلى خصوصيتها الثقافية قد تأثرت بشدة بجدل الحداثة وما بعدها , وخصوصا اذا علمنا انه احيانا ما بعد الحداثة وما قبلها يلتقيان على كثير من المبادئ , وهذا يجعلنا نعود لاشكالية نقدية عتيدة قدمها الناقد المصرى وهى المحلية والعالمية فى الحركة التشكلية المصرية  ويتلخص رأيى فى ان المحلى والعالمى اطناب لا يعنى اى شيئ فى مجال الفن التشكيلى اذ انه المجال الذى يعامل تراث كل امة بشكل متكافئ عبر الياته المتعددة فى تمثله

- المحلى و العالمي

لفت نظري ذلك الإطناب بين العالمي والمحلى وطرح أمامي ذلك التساؤل هل حقيقتا هناك فرق يذكر بين المشهدين ظهر في التسعينيات ؟

وهل يجوز للفن أن يعرف تلك القسيمة بين محلى وعالمي ؟ وهل في التسعينيات على وجه الخصوص حيث خطوات السوق الحرة والفضائيات و الإنترنت يجوز أن نجرى ذلك الإطناب ؟

ولكن دائما يثار في الجهد النقدي للحركة التشكيلية التاريخية في مصر كيف كانت قضية الأصالة والمعاصرة مطروحة بشدة أمام فناني مصر ؟ ولكنى أرى أن هذا الطرح كان إلى حد كبير زائف لانه طرح ينظر للثقافة كقضية أنثروبولوجية فيرى انه مجرد استخدام موتيف او موديل محلى يعد إغراقا في الأصالة وهو ما يعارض النظرة الغير انثربولوجية التي ترى أن الموتيف او الموديل ليس المحدد لاتجاه الفنان و إنما الطرح العام و الرسالة الفنية هي التي تحدد إذا كان الفن محليا أو عالميا والفن بهذه الطريقة و لانه يقدم دائما اطروحات إنسانية فلسفية فهو يتخطى حدود الزمان والمكان ويصبح كل الفن عالميا بشكل أو بأخر فالفن قد عرف العولمة قبل أن تعرفها السياسة او الاقتصاد.

كما عرف الفن التشكيلي ومنذ نشأته في مصر الحديثة ذلك الفنان الذي يتجول في جميع أنحاء العالم وتشكل خبرته خبره عابرة للحدود بل أن الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري كانت محض تأثر وحوار مع المتغيرات العالمية لان مصر كانت دائما مركز لصنع أحداث السياسة العالمية ومثالا على هذا العلاقة الحميمة بين ثورة 19 والحرب العالمية الأولى أو ذلك الجدل بين خروج إنجلترا من مصر وظهور الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة بل أن اشتراكية عبد الناصر ومدى علاقتها بمتغيرات بداية الحرب الباردة وتأصيل الأيدلوجيا تقول أن المصري كان عالمي دائما ولم يكن منعزلا عن العالم ونستطيع أن نقول أن الحركة التشكيلية في مصر مغتربة عن السياق الثقافي الخاص وهكذا بدت منذ نشأتها هي اقرب للسياق العالمي فالفن التشكيلي المصري الحقيقي لا يسمى محترفه فنانا (ربما يسمى فنانا شعبيا )كصانع القلل أو الراوي الشعبي أو صانع الاسبته او الزمار وما إلى ذلك وهو الأحق أن يسمى فنان إذا دخلت اعتبارات الهوية في عالم الفن برغم كونه لا يعبر عن الحركة التشكيلية في مصر .

الحداثة وما بعدها فى الفن التشكيلى :

وتعنى الحداثة في الفن التشكيلي – وهذا ما يهمنا فى هذا البحث - كل المدارس الفنية التي تقدم أعمالا فنية يمكن تفسيرها في إطار نظري كالسريالية والتأثيرية والتكعيبية والتجريدية و أخيرا البنيوية فهي تتبنى رؤى فلسفية للحياة ، كما إنها لا تعتبر الفن محض استهلاك و إنما تتحدث عن خلود فني وتقدس الذات الإنسانية ، فهي ترعى كل مبادئ التنوير المتفق عليها وتقدم فنا للنخبة المثقفة وتطلب منها تفسير العمل " من خلال تفسير العلاقة بين الدال والمدلول من اجل الخروج بدلالة جديدة "، بالإضافة لكونها متعة عقلية وحسية ،ويزداد فيها إحساس الفنان بالمسئولية الاجتماعية لتقديم فن هادف يحمل رسالة ما مرتبطة برغبة جادة في تغيير العالم من خلال الفن ، حتى تلك المدارس التي كانت ترى أن الفن للفن كانت ترى ذلك في إطار كون الفن قيمة ما ورائية تحقق الجمال وتذوقها يحقق الشخصية السوية ، لعل مدرسة واحدة تشذ لتؤكد القاعدة إلا وهى الدادا أو الفن ضد الفن أو الفن ضد المنطق وهى تعتبر الإرهاص الأول لما بعد الحداثة في الفن فضلا عن أن معارضها أغلقت بقوة البوليس .

اما ما بعد الحداثة فتعنى فى الفن و الفن التشكيلي خاصة - الذي تعد الحركة الدادية فيه أهم إرهاص لظهور فنون ما بعد الحداثة - كما أن النزعة البنيوية التي أرادت هز المفهوم المقدس للذات وفرض الشكل كبنية قد مهدت الطريق أمام طرح مشكلة الذات في ما بعد الحداثة أما الحديث عن الواقعية الجديدة و البوب والى ما غير ذلك يعد التمهيدات الضرورية لما بعد الحداثة في الفن التشكيلي.

ويختلف النقاد فيما بينهم حول تصنيف العمل الفني لعمل يندرج في تيار ما بعد الحداثة إلى ثلاث فرق :

فرقة تقول بما إننا في إطار عصر يمكن تسميته ككل بما بعد الحداثة فآي عمل فني ينتج وخصوصا من 1965 حتى الآن يسمى عمل ما بعد حداثى , حتى لو كان العمل يتشابه مع أعمال عصر النهضة أو التنوير من حيث المحتوى الفكري أو الخصائص الأسلوبية لان تقديم عمل كهذا الآن يعد مغامرة ذو طابع ما بعد حداثى و يتمثل فيه حنين للماضي واجترار له و إحساس بالعجز عن مجاراته كما لا نستطيع أن ننكر إن العمل ككل أنشئ في إطار خلفية عامة معبرة عن ما بعد الحداثة ، وهذا شئ سهل أن نقول أي عمل فني أنشئ خلال التسعينيات وحتى الآن هو عمل ما بعد حداثى ونرى هذا الموقف يتبناه الكثير من الأمريكيين المنظرين للفن.

الفرقة الثانية تقول أن أي عمل يؤكد على خصائص ما بعد الحداثة من الناحية الفكرية هو عمل ما بعد حداثى ، كان يكون العمل يسود عليه طابع التشاؤم أو غياب المعنى أو حالة التفكك والتشظى الإنساني او العدمية او العبثية او الإحباط. وبهذه الطريقة نستطيع ان نفسر أعمال فنية قديمة جدا ونعطيها صفة ما بعد الحداثة ونقول عليها إرهاصات.

والفرقة الثالثة هي التي تعلن مجموعة من الخصائص الأسلوبية تجعلنا نقول أن العمل ما بعد حداثي وهم يختلفون بشده في تحديد هذه الخصائص. مثلا أحد الخصائص التي يتحدثون عليها ينبغي أن يكون العمل جماهيرى يخاطب كل الناس وليس النخبة .او أن يكون العمل استهلاكي محترف يخضع لقوانين السوق، و لا يملك أو يسعى لامتلاك خصائص الخلود ، أو أن العمل ينبغي إلا يكون مترابط ولا تجمعه وحده ، أو أن لا يكون العمل هادف ولا نستطيع تفسيره أو اخذ آي رسالة منه ،أو أن يعتمد على التجميع بين اكثر من عمل ،أو يأخذ الفنان الشيء كما هو من الطبيعة ويضعه في تكوين لا معنى له داخل المتحف ، أو يفرط العمل في استخدام التكنولوجيا، أو أن يكون جديد ومتفرد تماما.

أن أطروحة البحث الحقيقية هي تلك الرغبة في تحويل النقد الفني من نقد يسترشد بنظريات فلسفة الفن إلى نقد يسترشد بنظريات فلسفة الثقافة وذلك من خلال تدمير الرؤية التي تنظر للفن باعتباره لا يحوى سوى الوظيفة الجمالية التي لا تغنى ولا تثمن من جوع ومن خلال تحليل مفاهيم ومسميات فلسفة الفن نرى ما الدوافع الحقيقية التي جعلت الفلاسفة يقصرون وظيفة الفن عموما على الجمال حيث بتطور علاقة الفلسفة بالفن من منظور الفن بديلا عن الفلسفة إلى منظور الفلسفة تحتوى الفن إلى منظور الفلسفة كباعث على الفن إلى منظور الفن يحتوى الفلسفة فان وظيفة الفن لابد وان تتغير وتحت اعتبارات عصرية عديدة  منها سقوط الفوارق بين الممارسة المهارة  والمعرفة واعتبار المعرفة أداء والأداء معرفة لقد أن الأوان لتصبح وظيفة الفن هي ردم الفجوة بين الثقافة والتنمية بين الذات والآخر بين العمل والنظر ليشق الفن الذي يحوى بداخله معرفة فلسفية طريقة صوب تحقيق مجتمع المعرفة تلك اليوتوبيا الجديدة

·       ماهية الفن ؟

لابد أن نعرف حقيقة الفن وماهيته . و أحسن الطرق المؤدية لمعرفة ماهية الأشياء هى البحث وراء معناها اللغوى والتعمق فى تحليلة وربطه بالمعنى الاصطلاحى وخصوصا ان لغتنا العربية ثرية أصيلة مبدعة دائما .

فبالكشف فى لسان العرب 

الفن : جمع فنون وهى الأنواع ، والفن الحال ، والفن الضرب من الأشياء ، والجمع فنون وأفنان .

وبالكشف فى مختار الصحاح 

الأفانين : الاساليب ، وهى أجناس الكلام وطرقه ورجل متفنن أى ذو فنون ، وأفتن الرجل فى حديثه وفى خطبته ، بوزن اشتق ،جاء بالأفانين .

وبالكشف فى المعجم الوجيز  :

فنن الشئ جعله فنونا وأنواعا : سلك به افانين وانواع والفن مهارة يحكمها الذوق والموهبة, وأيضا الفن : التطبيق العملى للنظريات العلمية بالوسائل التى تحققها ويكتسب بالدراسة والمران .

وهنا نلاحظ عدة ملاحظات :

1 - الأقتران اللغوى للفن بمفهوم المهارة ، وليس أى مهارة بل تلك التى يحكمها الذوق والموهبة ، فهى مهارة تقارب حدود الكمال وتعمل معايير الجودة والدقة والاتقان .

 ونلاحظ أن العرب قديما استخدموا كلمة صناعة ثم تم تطويرها لفن فعرف الادب والشعر – على سبيل المثال – اولا كصناعة كما نجد فى كتاب أبو الهلال العسكرى " الصناعتين النظم والنثر " وفى كتاب القلقشندى " صبح الاعشا فى صناعة الانشا " ثم أصبحت فنون الادب والشعر . كذلك تحدث ابن خلدون فى مقدمته عن صناعة الغناء كما أطلق الفن على كتاب فقهى أصولى علمى هو كتاب ابن عقيل "الفنون " وهو كتاب للفقه الحنبلى ، مما يعنى فى مجمله ارتباط الفن بالمهارة العملية فى الصناعة ودليل الاتقان والجودة والاحكام . ونجد ذلك فى الاستعمالات المتعددة للمفهوم كفنون الطبخ وفنون الحرب واعتبار الملاكمة الفن النبيل و المنطق من الفنون العقلية .

وان كانت فلسفة الفن المعاصرة تنكر على الفن المفهوم المهارى وتسقط الفن بهذا المعنى من كونه يطلق عليه فن ؛ على اعتبار انها تعتبر الفن فى احدى اهم تعريفاتها له مكنون شعورى ووسيلة تعبيرية واتصالية واسلوب ايضاحى وفى نفس الوقت آلية حركية لأحداث الاصلاح والتغيير والتنوير الثقافى واحيانا التثوير الثقافى . 

إلا أننا نعتبر المفهوم المهارى للفن له حضور وان كان على استحياء فيما يسمى فنا فى تلك النظريات حيث يكون الوسيط المادى للفن حاملا ومحققا للافكار النظرية المراد التعبير عنها  ، وهنا تظهر وظيفة الفن فى كونه ردما للفجوة التى عرفها الغرب بين الفكر والفعل بين النظر والعمل بين الثقافة والتنمية بشكل عام . 

فالفن كممارسة عملية تأطير لفكر نظرى وتعبير عن ثقافة جوهرية كما هو صناعة مهارية .

ويرى الدكتور أسامة القفاش ملحوظة فى غاية الاهمية وهى ان الأصل الإسلامى فى الفن انه اسم عام يطلق على كل شئ فى الحياة فيه صنعة وحرفة وزينة وتفنن , وان الفن معروف اسلاميا فى اطار الدور الحياتى الذى يلعبه بمعنى ان الفنان كان فى الاساس صاحب مهنة يؤدى وظيفة اجتماعية من خلال إتقانه لحرفته وأدائه لعمله على الوجه الأكمل فالنحاس والنقاش والبناء والنجار كلهم أصحاب حرف وهم فنانون يعملون من أجل الحياة لا من أجل وضع أعمالهم فى متاحف وعزلها عن السياق الاجتماعى الحياتى النفعى للفن .

وهنا نرى الإسلام يتيح الفن كقدرة ذاتية داخلية من خواص الجنس البشرى فالأبداع والأتقان ومن ثم الفن كجزء من الحياة متاح للجميع أما الفرض والحث على ذلك الجزء فيتأتى من حض الاسلام على أتقان العمل " ان الله يحب اذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه " فالفنان فى السياق الاسلامى هو الصانع هو الحرفى هو كل فرد يتقن عمله ويؤديه .

وهذا بالطبع يختلف أختلافا جوهريا عن الفن فى المفهوم الغربى الذى لا يتخذ من الحياتية سمة تميزه وعلى العكس اتخذ من العزل فى المتاحف والحدائق العامة و المنتزهات سمة تميزه .فنجد فى قاموس وبستر اسمان متمايزان Artisan وهو الحرفى و Artist  أى الفنان .

وهنا ظهر مفهوم الفنون الجميلة أو الفنون المتحفية فى الفكر الغربى على عكس مفهوم الفنون التطبيقية الحياتية فى الفكر الاسلامى .

وهو ما يؤيد فيه الدكتور اسامة القفاش  الدكتورة لمياء الفاروقى ويرجعا سبب هذا العزل للفن فيما أشار اليه الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو فى نقده للحضارة الغربية بإن الحضارة الغربية مبنية اساسا على العزل لا الوصل بعد الاجرائات التصنيفية الحادة وهناك نوعان من العزل :عزل المكروه الآخر عن الأنا المحبوب ويتبدى فى عزل المرضى والمجرمين فى العيادة والمستشفى والسجن ، وتصنيف الأمم إلى أمم راقية وأخرى بربرية همجية . والنوع الأخر من العزل هو عزل الجميل المحبوب الأنا عن الآخر المكروه البغيض الرزيل كعزل الفن فى المتحف والحدائق الخاصة بالقصور ، فالمتحف هو سجن الجمال الذى يقصد به ابعاده عن الاخر الدنس الذى لا يقدره وهو ما يعيد الغرب النظر فيه الان فيظهر الفن عند تشومسكى فى كتابه عن اللغة والعقل ابداع متاح للجميع بل مفروض عليهم وهو اقتراب للمفهوم الاسلامى عن الفن 

2 - نلاحظ أقتران الفن بالأساليب أو الأنواع والمناهج والطرق ، وهذا يفسر كون الفن خروج خارج الأطار الضيق المغلق للعقل بحيث يكون ابداع ؛ حيث ينطوى على أسلوبيه متمايزة دائما لحل المشكلات والتعامل مع الواقع ، فالابداع بكونه نظرية فى البدائل والاساليب هو الفن كما ذكره مختار الصحاح .

3 - الفن ظهر فى المعجم الوجيز بأعتباره تطبيق عملى للنظريات العلمية بالوسائل التى تحققها وهذا يعضد حديثنا عن وظيفة الفن الرابطة بين الثقافة والتنمية .

4 - الفن من الافتتان والخداع والحيل فمادته اللغوية وان كانت لا تنطبق على مادة فتن الا ان التشابه بينهما من المثير تأمله اذ  أن مفهوم الخدعة أو  الإيهام الذى هو جوهر مفهوم الفتنة على علاقة تطبيقية ملاصقة بالفن الذى يحاول دائما ايهام المتلقى له .

وبعد ان خضنا مع محاولة الاجابة على ماهية الفن بالمنهج اللغوى  الفيللوجى ، آن الأوان أن نتحدث عن ظهور الفن كظاهرة إنسانية وما هى الأغراض التى دعت لظهور الفن منذ فجر التاريخ وعلى جدران الكهوف الاسبانية فنقول : عرف الإنسان الفن منذ قديم الأزل بأعتباره وسيلة من وسائل الحصول على المعرفة وربما هى الوسيلة الأقدم فهى وسيلة الذوق الوجدانى والشعور الأنفعالى التى تظهر دائما قبل قوانين المنطق العقلانى .

لذا أستخدم الانسان الفن فى التعامل مع الطبيعة والأنسجام والتفاعل مع عناصرها فها هو يخيف الوحوش برسومه البدائية وبأدواته التقنية التى صنعها بالفن والاحساس قبل المنطق والعقل والعلم .

لكن النظرة التى تقصى الفن فى قيمة وحيدة هى قيمة الجمال ( وهى قيمة معرفية أصلا اذ ان النظريات العلمية كى تحقق سبق فى مجالها لابد لها من ميزة الجمال كما ينبأنا فلاسفة العلم المعاصرون ) بمعزل عن القيم المعرفية الاخرى هى نظرة غربية ظهرت مع باومجارتن فى تأسيسه للاستاطيقا كعلم معيارى للجمال يقيم الفن فقط بمعيار الجمال الشكلى المعتمد على النسب والاوزان الارسطية التقليدية ، هذه النظرة للفن قد انتشرت وسادت فى حين النظرة للفن كمنهج معرفى ذوقى ظهر فى الاسلام منذ فجره الاول ولا ننسى الصوفية التى اتخذت من الذوقيه والشعورية منهج معرفى. 


 اشكالية تقسيم الفنون :

ان اهم تقسيم للفن فى وجهة نظرنا هو التقسيم الوظيفى للفنون الى فنون تطبيقية وفنون جميلة . وهو تقسيم مفهوم سنتجاهله وسنركز على الفنون الجميلة فقط ، ففنون الصناعة والزراعة والتجارة فنون تطبيقية غير منزهة عن الغرض الاستعمالى الاستهلاكى ،اما الفنون الجميلة فهى اشبه باللعب او المقدس الجمالى او الخيالى .

التقسيم الثانى للفنون هو تقسيم الفنون السبعة عند إيتيان سوريو           " Etienne Souriau " وهى عند العامة :الرسم – النحت – الشعر- الموسيقى –الرقص –المسرح ثم السينما.

وفى هذا التقسيم ندرس تقسيم الفنون لتجريدية وتصويرية . وهى درجة فى كل فن .

كما تظهر ما يسمى بالفنون المركبة كالاغنية شعر وموسيقى وهكذا وكلما ازدادت درجة التركيب فى الفن ازداد تطوره .

وهناك تقسيم آخر للفنون حسب الحاسة المستخدمة فى تلقيها الى فنون سمعية واخرى بصرية . واخرى تسمى فنون الأداء . فنون عقلية المنطق والرياضيات واللغة فنون فكرية الفلسفة والادب

انا لا يهمنى التصنيف فى حد ذاته ولكن يهمنى عرض المشهد الفنى المعاصر الذى تداخلت فيه الفنون .فإذا نظرنا للفلسفة الآن من الداخل نرى رؤيتان ثقافيتان لها : الرؤية الأولى ترى الفلسفة إبداع فني شبيه بالآداب و باقي الفنون, بالإضافة إلى العمق الفكري الذي يحقق أعلى إشباع للمتعة العقلية , وكذلك القدرة التنظيريه التي تتميز بالسعي نحو النسق المترابط , وهو ما يخصها عن غيرها من الفنون, فهي تنظر و تتسأل وتطرح العديد من القضايا والأفكار و الاطروحات التي تهم أي إنسان على ظهر الأرض , وتؤثر تأثيرا عميقا في تشكيل معتقدات واتجاهات ذلك المتلقي للفلسفة الذي ينفعل معها ويتأثر بها ويحقق بها إشباع عقلي ووجداني في آن واحد وتخلق بداخله الحاجة المستمرة لبلوغ الكمال المعرفي.

       وكونها تتميز بهذه الخصائص ,وكونها تهم الإنسانية كلها , وتحمل إبداع وتأثير فني , يجعلها سلعة رائجة في عصر السماوات المفتوحة , والبحث عن الإشباع الروحي والفكري في عصر الخواء الإنساني المادي , وخصوصا بعد تراجع الدين في هذا الإشباع لتجمده الصلب عند مراحل تاريخية قد ولت , وهذا ما لا نريده للفلسفة . وهى الرؤية  الاساسية للفلسفة التى سنتناولها من خلال صراع الفلسفة والفن, وسنقوم بتحليل عناصرها .

       وهناك رؤية أخرى ترى أن الفلسفة علم لأنها خاضعة لمناهج محددة وتتميز ببناء منظومى خاص , كما أن مصطلحاتها محددة وغير قابلة للفهم إلا في نطاق التخصص , كما تحتاج في تعلمها لخبرة ودراية وممارسة , وهذا هو التيار الأكاديمي الموجود في صراع ضروري مع ذلك التيار اللااكاديمى الشعبي الاكثر انتشارا وذيوعا , وهذا الصراع هو سر من أسرار تقدم المعرفة, كما نرى في التاريخ الإنساني.

فالفلسف ة مكانها السوق وهى لا اكاديمية .  

(*) باحث فى الفلسفة – جامعة القاهرة . وحائز على جائزة النقد الفنى من صالون الشباب السادس عشروالثالث والعشرون 



 مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حلم الخلود الإنسانى أو فيلم إسكندرية نيويورك .....قراءة فلسفية

  حلم الخلود الإنسانى   أو فيلم إسكندرية   نيويورك .....قراءة فلسفية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ            يعد فيلم إسكندرية – نيويورك آخر ...