منير وحدوته الناس المكبوته
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ
منير ليس
مجرد مطرب يشدو بجمال وزينة وزخرف الألحان
، وليس مجرد مغنى يغرد بامتاع متناهى لذيذ
كبقية العصافير ؛ فى ذلك التناول الجمالى الاستاطيقى للفن الذى يعزله عن الواقع والمجتمع والانسان . وهو ايضا ليس
مجرد مؤدى يحمل الكلمات بمعانيها الفنية المعتادة ، منير ليس الا فنان فنان بالالف
واللام ؛ اذ انه يعبر عن تيار الصدق الفنى ،
تيار الفن وتشابكه مع الواقع الفعلى للانسان ، تيار التعبير بالاحاسيس العميقة الدفينة التى
تقف فلسفة ما ورؤية ما للحياة خلفها وبداخلها .
الاغنية عند منير ليس مجرد مساحة من الزمن
الجميل محملة بالالحان والايقاع والكلمات الواضحة المعبرة تجلب الامتاع والمؤانسة ،
الاغنية عند منير سرد من احاسيس فريدة نادرة تعبر عن فلسفة عميقة ورؤية ابداعية متميزة
للحياة والكون .
ان منير او الملقب بالكينج او الملك هو
ملك الاحساس الفنى الصادق ، احساس فريد خاص بمنير لا يمكن ان يتكرر او ان تجده فى اى
مغنى آخر ، وهو احساس ليس نقى بل محمل بكل ما فى الحياة من انشطة وهموم اهمها هموم
الوطن والفكر ، فلا يفهم احساس منير الا من قراء وتعمق وفهم وناقش واحب الفكر والحياة
واحب الحرية والانسان ، لا يفهم منير الا فنان مثله .
لو كان منير لم يغنى فى حياته الا اغنية
واحدة هى أغنية " حدوته مصرية " لكان أعظم مغنى فنان احس بالوطن فى تاريخ
هذا الوطن ذاته ، الاغنية من كلمات شاعر عامى
عميق له جذور فى اقصى صعيد مصر ، انه عبد الرحيم منصور ، ومن الحان رفيق درب
منير احمد منيب والاغنية هى اغنية فيلم " حدوته مصرية " للصادق شاهين السينما
المصرية وهو الفنان الكبير الذى لم ينفصم عن فنه فتوحدنا معه انه ، فنان اخلص لفنه
الذى كان حياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ووكان التزم لمجتمعه ووطنه الذى كان يبدوا
حالما موحدا انذاك .
ان العلاقة التى جمعت بين شاهين ومنير علاقة
عميقة جدا الى الحد الذى اعتبر فيه شاهين منير حنجرته السينمائية ، واثر ذلك على منير
باعترافه ان هذه العلاقة جعلته يركز تركيز شديد فى اختيار الكلمات التى يغنيها ، وكل ما غناه منير مع شاهين عظيم ولكن تقف أغنية حدوته مصرية بالتحديد موقف فريد .
فحدوته مصرية هى سيرة ذاتية لانسان (سواء
كان يوسف شاهين أو يوسف أدريس او منير ذاته ) انسان انعكس فيه الوطن وتماهى فى ذاته
فاصبحت سيرته سيرة وطن باكمله ، وفن السيرة الذاتية بالطريقة التى قدمها شاهين هى فن
للصراحة والتصارح مع النفس ، وهى قمة انواع الفنون الانسانية ، فالانسان عند شاهين لا يطالب منه ان يبدوا ملاكا او حيوانا فهو مجرد
انسان له احلام جميلة وعثرات خبيثه ، لذا فان اى سيرة ذاتية مخلصه يقدمها شاهين نتوحد معها بسهولة ؛ حيث تكون بمثابة مرأة عاكسة
لذواتنا فى انقى لحظات المكاشفه و، لا سيما فى لحظة البحث عن الهوية تلك اللحظة التى
ارقت السيرة الذاتية لشاهين وعبر عنها منير بجدارة واستحقاق .
تبدأ الأغنية بأعتراض هادئ احيانا وشجنى
أحيانا كثيرة " ما نرضاش " ، لا نرضى ان نرى للسماء فلا نرى فيها القمر ؛
لانه واخد على خاطره وزعلان ومضايق من السما ، وهو تعبير عن اغتراب الانسان العربى
، اغترابه كمواطن فى بلاد الاستبداد ، واغترابه كانسان اجتماعى فى بلاد التسلط والاهمال
، شيئ يشبه نزيف العقول ، القمر هو المغترب المهاجر لاوطان اخرى تكرمه وتحتفى به ،
وتدرك جمالياته كقمر ، هو الباز وزويل وشاهين نفسه .
ليس هذا فقط ما لا نرضى عنه ، بل لا نرضى ان تدوس البشر بعضها ، بادعاءات طبقية
او دينية او عرقية او حتى توهم انها عقلية وحقوقية ، البشر اصبحوا قاسين جدا على بعضهم
البعض يتعاملون كاعداء داخل وطن واحد باعتبارات تميز واهية .
ليس هذا فقط ما لا نرضى عنه ، بل ان يموت
النور المتمثل فكرا وعلما وفنا بداخلنا ينادينا فلا نلبى النداء ، لاننا بحاجة الى
ماهو مادى اقتصادى مربح، دون ان نستجيب لندانا
الروحى القيمى الاخلاقى ، نداء الوجود الانسانى الحقيقى لا الزائف ، فلا نرضى ان يموت
والاصح ان يقتل بداخلنا نداء الوجود الحقيقى .
لا نرضى ان تهاجر الجذور ارضها التى زرعت
فيها وكان ابداعها تعبير عن تلك الارض فى اشارة
لنزيف العقول الذى حدث فى سبعينيات القرن المنصرم .
قلبي جوا يغني والاجراس تدق لصرخة ميلاد
تموت حته مني الاجراس بتعلن نهاية بشر من العباد والناس
نحن نعيش فى هذه الاوطان المجحفة لتموت بداخلنا الاحاسيس
الفاضلة احساس احساس ولا يبقى الا كل ما هو دون " ثم قست قلوبهم فهى كالحجارة
او اشد قسوة ، افطال عليهم الامد "
الحكمة قتلتني و حيتني وخلتني أغوص في قلب
السر
قلب الكون
الحكمة تقتل صاحبها المتهم بالفكر وانشغال البال وفى اللحظة
التى تقتله فيها تحى بداخله ميلاد جديد للفهم والوعى والادراك انها الالام النمو الذى
تقربنا من الاسرار العظمى الدفينه لهذا الكون .
قبل الطوفان ما ييجي خلتني أخاف عليك يا
مصر
هل لم يأت الطوفان الذى تنبأ به منير ؟
أنظر لنشرة الاخبار فى اشهر سنوات ك 20011 -2012 -2013 ومازال العد التصاعى القائم
لاحداث طوفان شوه شكل الوطن كله .
( عتاب لقلب الوطن )
واحكيلك على المكنون
مين اللى عاقل فينا مين مجنون
( اتوا الربابة والطبول ياللا اسمعوا للهاربون
وقول وقول وقول يا صوفى يا مجنون )
مين الي مدبوح
من الألم
مين اللي ظالم فينا مين مظلوم
(ممكن يكون نفس الانسان مره ظالم مره مظلوم )
( انا المواطن )
مين اللي ما يعرفش غير كلمة نعم (مغلوب
على امره )
مين اللي محميلك خضار الفلاحين غلابة
مين اللي محنيلك عمار عمالك الطيابة
(اهو لا بقى عمار ولا بقى خضار )
مين اللي ببيع الضمير و يشتري ويشتري بيه
الدمار
ايها المواطن عود
مين هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية
والقلم
رأيت كل شيء وتعبت على الحقيقة (الوعى )
قابلت في الطريق عيون كتير بريئة (الحشد)
أعرف بشر عرفوني لأ لأ ما عرفونيش
جبلوني وجبلتهم ( قبول الاخر )
بمد ايدي لأ طب ليه ما تجبلنيش ( قانون
القبول )
لا يهمني اسمك لا يهمني عنوانك لا يهمني
لونك ولا بلادك مكانك
يهمني الانسان ولو ما لوش عنوان
يا ناس يا ناس
يا مكبوته
هي دي الحدوته
حدوته مصرية
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق