منظومة العملية الفنية
فى الفنون التشكيلية
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ
فنان –
عمل فنى – متلقى هذه الصيغة التقليدية لمنظومة العمل الفنى وهذا بالتحديد ما اردنا
البحث فيه فى هذه الورقة لكن قابلتنا بعض القضايا الهامشية مثل هل هى فنون تشكيلية
حسب ما اعتدنا تسميتها ، ام فنون بصرية
حسب الموضة الرائجة فى تسمية الفن التشكيلى هذه الايام ؟ وما معنى الحركة التشكيلية وما الفرق بينها
وبين الفن التشكيلى ؟
هل لان المنتج النهائى للعمل الفنى التشكيلى ، قابل
لان يكون مرئى ( هو ليس مرئى فقط بل
له حضور فنى فعال ) يطلق على الفن برمته فنا بصريا ؟ واذا كان الامر كذلك فما الذى
يميز الفن التشكيلى من تصوير فوتوغرافى فنى ، وتصوير، ورسم ، وتصميم ، ونحت ، وخزف
، وجداريات واخيرا وليس اخرا تجهيز فى الفراغ ، وعمل مركب ، وفنون الفيديو-
الديجيتال – الوسائط المتعددة ، وفن
الاداء ، وفن الجسد ، ما الميزه التى تميز ذلك كله وما الفرق بين ذلك كله و
السينما و المسرح و التلفزيون بدرامته وافلامه ، ومقاطع فيديو اليوتيوب الفنية ؟
(ان الفن التشكيلى له خصوصيته فى اطار الحركة التشكيلية ) وما الذى يميزه كفن عن
باقى الظواهر البصرية الاخرى ؟ كالتصوير الفوتوغرافى التوثيقى والاخبارى والمناظر
الطبيعية والافلام الوثائقية .
والاجابة لا تتأتى الا اذا عرفنا ان فرقا وفرقا
كبيرا بين حضور العمل الفنى التشكيلى ومجرد مشاهدته عبر صورة او صور فوتوغرافية .
الفرق بين حضور العمل الفنى
ومشاهدة العمل الفنى ؟
كنت فى ورشة فى قصر السينما عن الاخراج السينمائى
وكانت دكتورة منى الصبان تتكلم عن الفرق بين ان تذهب الى السينما وان تشاهد الفيلم
على شاشة التلفزيون فى منزلك ، وذهلت عندما علمت انه فرق وفرق كبير جدا وهائل .
فافلام السينما معدة للعرض فى السينمات (الشاشة الكبيرة بتقنية الضوء السينمائى)
وليس على شاشة التلفزيون . نقلنى الموضوع لكلمة نستخدمها فى الفلسفة بمعانى هائلة
هى كلمة حضور وظهور فى مقابل الغياب والخفاء والتوارى . فهناك فرق بين مشاهدة
الصورة الفوتوغرافية لعمل الفن التشكيلى ومشاهدة العمل ونحن امامه هذا حضور العمل
، الفرق لا يتمثل فقط فى الابعاد وامكانية تغير المناظير للرائى وخصوصا اذا كان
العمل الفنى ثلاثى الابعاد ، الامر اعقد من ذلك فهناك احساس بالعمل لا يتوفر بمجرد
مشاهدته فى صورة فوتوغرافية ، ربما الاحجام او الابعاد وتعدد المناظير ولكن ايضا
الاحساس بالملمس وطاقة اللون ، والاهم مدى التهيئ والانتباه لمشاهده عمل فنى ،
ومدى الرغبة التى جعلتك تحضر لتشاهد العمل . لان الفن امر حساس لا ينبغى الاعلام
عنه بمجرد صور فوتوغرافية ، بل لابد من حضور العمل حضور بالمعنى الفلسفى اذا اردت
ان يمارس العمل تاثيره الكامل عليك بصرف النظر عن الابعاد والاحجام واحساس طاقة
اللون والملمس وغير ذلك من الادراكات التى هى خارج الحواس الخمسه وهى ادراكات لا
تدرك الا بالحضور الجسدى امام العمل والحضور الفكرى والذهنى المتأهب ، وهذا ما
يجعل الفن التشكيلى ليس فنا بصريا فقط بل تشكيليا . كذلك سنعرف ان مجرد الممارسة
الفنية فى الفن التشكيلى هدفا فى حد ذاته وهى بعيده عن الناتج البصرى القابل
للرؤية .
نعود لعناصر منظومة العمل الفنى :
اولا – المرجعيات :
لا يتواجد العمل الفنى فجأة ومن فراغ وانما يتواجد
فى سياق ، سياق تاريخى وجغرافى حضارى اى سياق زمانى ومكانى ، وسياق ثقافى معين (
ويقصد بالثقافة هنا كل محتوى الوعى الانسانى النظرى ) و مرتبط ايضا بالسيرة
الذاتية للفنان ومرجعياته الثقافية الخاصة ، وهو ما نعبر عنه اصطلاحيا ب - Back ground والعمل الفنى لا يعكس كل الخلفية
او الباك جراوند وانما يعكس سياق الفنان ذاته
( ما دخل من هذا الباك جراوند فى وعى الفنان ) كانسان بالتحديد ، وهذا
ينقلنا لمصطلح Feedback اى
التغذية الاسترجاعية – رجع الصدى - فالمبدع اثناء عملية الابداع تبرز ثقافته
البصرية والسمعية المرتبطة بمدى قدرته
الادراكيه والتذكريه . أي أن السياق التاريخي والثقافي قد تمثل في محتوى
نفسي لفرد ما واثر على إبداعه وتلقيه ،
ويكون الحديث هنا مركز على الثقافة البصرية والسمعية للمبدع والمتلقي. ولكن
هناك شيئا اقوى فى المرجعيات التى تحكم العمل الفنى هو Foundation ويقصد
بها مجموعة من المبادئ المستمدة من عقيدة أو فلسفة أو توجه ما او خلفية فكرية
معينة يؤمن بها الفنان .
اظن ان هذا يمكننى الان من الاجابة على السؤال
الفرق بين الفن التشكيلى والحركة التشكيلية ؟ والحركة مفهوم اجتماعى فى علوم
النظرية الاجتماعية ، هو احد اهم الاليات او الوسائل لتحقيق التنمية او التطوير
الممنهج للمجتمع بما يعرف بالتغيير الاجتماعى ، وكذلك هى حركة الفن التشكيلى كما
نشأت على ايد روادها الاوائل فى القرن التاسع عشر فى مصر كانت حركة هادفة لتحقيق
تغيير اجتماعى وتنمية ثقافية شاملة ، وذلك يجعل الحركة التشكلية منفصمة عن الاعمال
الفنية الحفرية او الاثرية كالاهرامات وابو الهول والمعابد ، فهى حركة تعكس الفكر
الطليعى الحداثى فى محاولة للتنمية وتطوير المجتمع المصرى . والحركة التشكلية بهذه
المفاهيم مستمرة حتى الان .
ثانيا – الاستفزاز الابداعى
شيئا ما يستفز الفنان ليجعله يخرج عملا فنيا ، شيئا
ما يثيره على المستوى النفسى ويحرك فيه ارادة الفعل الفنى ، فالفن سلوك مختار
تحركه دوافع داخلية ، الفن ليس وظيفة او مهنة مطلوب فيها الانتاج التقليدى الرتيب
المبرمج ، وانما يحتاج كل عمل ابداعى الى
استفزاز ومثير ، شيئا ما يريد ان يعبر عنه الفنان ، او رسالة مضمرة فى عمله ، او
صرخة داخلية او اعتراض ، او هاجس تنبؤى ، او هلوسة لها اسبابها ، فالفنان ينقل لنا
شيئا ما من عالم الفكر والشعور المحسوس الى عالم الواقع الملموس عبر شيئا استفز
فكره او شعوره .
لذلك لا يجوز ان يكون الفن التشكيلى حرفة او مهنة
او وظيفة او مهارة خاصة ، بل هو استجابة سلوكية نفسية عند اى انسان مبدع يتعرض
لاستفزاز ابداعى او مثير .
3 - الفنان
الفن هو انا ، اذا كان العلم هو
نحن ، فالذاتية تخلق فنا ، والموضوعية تخلق علما ، الفنان هو اهم عنصر فى المنظومة
الابداعية ، وهو العنصر الذى يعكس المرجعيات ويحدث له الاستفزاز الابداعى فينتقل
للممارسة الفنية ، وكل انسان به حس فنى ، والفن حق لكل الناس (حق الممارسة الفنية
) فى اطار ديمقراطية الفن عند تولستوى ،
فاذا كانت الموهبة والخبرة والمهارة مطلوبه فى الممارسة الفنية فان هذا لا يعنى ان
الموقف والسلوك الفنى حكرا على من يسموا انفسهم او يسميهم الغير فنانين بل هو حق
انسانى لكل من اراده ولنترك تقيم مخرجات الممارسة من عمل فنى جانبا .
4 - الممارسة
الفنية
هى ممارسة هدفها الانتاج الفنى للعمل الفنى ولكن
ليس هدفها الوحيد وهنا يظهر فيها تحديات
تفرضها الخامة او الامكانيات او المتاح ، وتتعدد فيها البدائل فى عقل الفنان
لاختيار الانسب ، وربما هناك فنون تكتفى بالممارسة الفنية دون انتاج ، معوله على
الاثر النفسى الرهيب سواء العلاجى او التطهيرى الكامن فى الممارسة الفنية ذاتها .
وعندما كنت فى مرسم فنى فى المانيا كان الفنان يدخل غرفة مظلمة ويتلقى الالوان
ليرسم على ورقه كبيرة فى الظلام حتى لا يرى عمله ثم يضعه فى درج ويغلق عليه ولا
يفتح ولا يراه اى احد ، انه اكتفاء بالممارسة الفنية ، وكثير من الفنانين كانوا
يمارسوا العملية الفنية امام الجمهور حتى يكون العمل هو الممارسة الفنية ذاتها .
وهذا يجعلنى اشك فى تسمية فنون بصرية لان هناك ممارسة فنية تشكلية تجعل من العمل
تشكيلا وليس معطى ومنتج بصرى ، فهدف الفن التشكيلى ليس انتاج العمل الفنى بل
ممارسة العملية الفنية ذاتها ، وهناك بعض المكفوفين يعملون فنانين تشكيلين ولا ضير
فى ذلك . والممارسة الفنية فى حد ذاتها هى هدف وهى قابلة للتلقى بهذا الشكل .
5 - العمل
الفنى :
هو المخرج الواقعى الملموس للممارسة الفنية وهو
القابل للتلقى والانتشار . ولا يشترط ان يكون العمل الفنى خالد فى فنون ما بعد
الحداثة فهناك مثلا فنان البلالين الذى شكل البلالين وطيرها فى الجو ، وهناك فنان
الثليج الذى يذوب عمله بعد قليل فلم يعد العمل الفنى هو المخرج والنتيجة الوحيدة
والمنطقية للفن التشكيلى ولم يعد امر خلوده مشكلا بل يكتفى بتوثيقه .
6 - جمهور
التلقى :
أ – الناقد :
الناقد هو مبدع من مجال التعبير اللغوى استفزه العمل الفنى ، فاخذ اما يوضح للمتلقى
رسالة العمل الفنى وينير له الطريق لفهمة ، او ينتج نص موازى ابداعى كان سببه
العمل الفنى ، والنقد يتميز بالتداعى الحر الذى لا يعرف مصادرات منهجية والحس الانطباعي وهذا لا يعيبه ، اما عن فكرة النقد باعتباره
حكما على العمل الفنى ، فهى فكرة غريبة جدا عن الثقافة الفنية الحرة ، فمن هو
الناقد ليحكم على الفنان ؟ ومن هو الفنان ليحكم على الناقد ؟ على الكل ان يقوم
بدوره دون حكم او محاكم او محاكمات .فلا احد صاحب مصلحة هنا .
ب – الصحفى والمروج الاعلانى :
العمل الفنى يحتاج الى بروبجاندا وترويج وهذا جهد
اعلامى وصحفى حتى يصبح مثار حديث ، ويزيد عدد المتلقين للعمل وخصوصا اذا كان العمل
فى اطار حركة تشكيلية ، و اذا كان نجاح العمل بنجاح توصيل رسالته لاكبر عدد من الناس .
ج – المتلقى ( المتذوق)
فى عصرنا هذا عصر موت المؤلف وتفكك الدلالة وتعددها
اللانهائى ، ينتقل المتلقى من كونه متلقى سلبى الى متلقى ايجابى هو المسئول الاول
والوحيد عن خلق المعنى واضفاءه وجلب الدلالة
للعمل الفنى ، فالعمل الفنى مرآة مصقولة بعناية تعكس كل ما يدور فى خلد
المتلقى من أفكار ومعانى وتصورات أننا فى زمن المتلقى ، يقول برنارد شو اعمالى
كالمرآة تعكس من يقرأها فاذا كنت حمارا فلا تتوقع ان ترى الا حمارا. ويقول رشدى
رشاد ان العمل الفنى يتميز بنظرية عين الهرة باختلاف المنظور والمكان يختلف لون
عين الهره وكذلك تتعدد معانى العمل الفنى لدى المتلقى حسب اختلاف منظوره ، ولا
يوجد معنى صحيح واخر خاطئ للعمل الفنى بل ان رحلة اكتشاف معنى العمل الفنى مليئة
بالكثير من المعانى والدلالات وكلما كان العمل مثار جدل حول دلالته ولا يتميز
بالمباشرة كلما كان عملا ثريا ومهما ومفيدا اذ يوفر المتعة العقلية للمتلقى فى
رحلة اكتشاف المعنى وخصوصية المعنى له عن غيره من المتلقين فكل متلقى يسقط معناه
الخاص على العمل الفنى مثار التلقى النشط .
7 - رجع
الصدى :
اقصى عقاب للفنان ان يتلقى عمله
بالتجاهل او بالصمت المطبق والمدوى وقد يكون ذلك عن عمد وقصد من النقاد والصحفيين
وقد يكون بغير عمد نتيجة قله نشاط النقاد والصحفين ولكن لكل فعل من المفروض ان
يكون له رد فعل لان ردود الفعل هذه تساعد الفنان فى تطوره الفنى ولا تجلعه يتجمد
ويجتر نفسه فى الانتاج فلابد لناقد لكل فنان بل ناقد لكل عمل فنى حتى يستمر الفن
فى بيئة صحية صحيحة ويتطور الفنانون فى اطار الحركة التشكيلية لتؤتى ثمارها فى
تحقيق التنمية الثقافية للوطن والا لن نرى الا الركود والجمود والاجترار .
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق