السينما فى أنبوبى[1]
الأثر المتبادل بين السينما والعالم الخائلى [2]
يقول كانط : كن شجاعا فى استخدام عقلك دون وصاية من احد
ويقول ايلون ماسك : كن شجاعا فى استخدام كاميرا موبايلك
دون وصاية من احد
مما لا
شك فيه أننا نعيش الان (2022) أزهى عصور الديمقراطية الثقافية [3]
حيث يعمد التطور التكنولوجى و بخطى سريعة لتحقيق مفهوم الاتاحة الشاملة لكل
الافراد بغض النظر عن أى تمييز فى مجال التواصل والتعبير الفنى والثقافى ،
فالثقافة اليوم تكتسب أهميتها من قدرتها التواصلية كقيمة جديدة مضافه بفعل مفهوم
السوشيال ميديا.
صناعة السينما فى سوق متغير :
السينما صناعة ثقافية ثقيلة قبل ان تكون فن وقد تلقت
السينما ضربتان موجعتان الاولى عند ظهور فن الفيديو فاصبح التسويق من خلال (
الفضائيات ، نوادى الفيديو ) وكانت الضربة الثانية من العالم الخائلى فاصبح
التسويق من خلال الاعلانات والمنصات الكبرى كنفيلتكس .
ولوصف ذلك نقول :
عندما
نفكر فى تطور صناعة السينما كصناعة ابداعية ثقيلة ذو جانب اقتصادى هكذا بدت فى
سنوات قديمة ، أصبح الان العرض السينمائي التقليدى من الامور المتحفية القديمة
التى عفى عليها الزمان ، العرض السينمائي الطبيعى التقليدى على اعتبار ان السينما
أفلام ( وهى فن مجمع من كل اشكال الفنون السابقة عليه سواء فنون الكتابة والادب او
الموسيقى او التشكيل او الاداء ) [4] تصور
بكاميرات سينمائية كتطور متحرك للفوتوغرافيا وتعرض فى قاعات عرض عبر اجهزة تسلط
الضوء على شريط شفاف هو البوستيف و لها شاشات ذو ابعاد كبيرة ويحضرها هؤلاء
المتأهبون المجهزون نفسيا لرؤية فن جيد ومزدهر وسط تركيز شديد فى المتابعة .
كانت أول
الاحداث التكنولوجية التى أثرت على مفهوم العرض السينمائي التقليدى هو ظهور
كاميرات التصوير للفيديو بتقنية الانالوج وظهور التلفزيون الشاشة الصغيرة وماكينات
عرض شرائط الفيديو وانتشار وتوغل البث
التلفزيونى بحيث اصبحت كاميرا الفيديو من مقتنيات الاسر الصغيرة لتصوير فيديوهات
منزلية فى مطلع الثمانينات من القرن المنصرم العشرين.
فاصبح ما يعرف بنوادى الفيديو وافلام الفيديو
وانتقل العرض السينمائي التقليدى بكل جمالياته الانطولوجية الى عرض الفيديو سواء
المسجل او المبثوث عبر التلفزيون الذى ساهمت الاقمار الصناعية فى تطوير البث
للخروج من البث المحلى للبث الفضائي وانتشرت الفضائيات بما تحمله من فراغ ابداعى
كبير فى عدد لا نهائي من ساعات المشاهدة التلفزيونية الممتدة عبر الرسيفر لقنوات
عديدة .
لقد تأثرت
صناعة السينما بهذا كثيرا واصبح هناك ما يعرف بالفيلم السينمائي المصور لاغراض
التوزيع كأفلام للفيديو تبث فى الفضائيات ، رغم الاختلاف الجمالى بين فن السينما
وفن الفيديو فللشاشة الكبيرة قواعد فنية قد لا تعرفها الشاشة الصغيرة فالامر ليس
مجرد صورة متحركة وصوت يبث ، الامر اكثر من ذلك فن له قواعد مأخوذه أصلا من
التشكيل فالتصوير الفوتوغرافى فالتصوير السينمائي للعرض بتقنيات الضوء اما الانالوج
فالامر مختلف فتقل مساحة الجماليات وعندما
يصبح البث الفضائي تقل ايضا خصوصية التقبل الفنى والتركيز فى التلقى فربما يقوم من
يشاهد الفيديو ليعد شاى او طعام ولا يعطى المتابعة الاهتمام الذى كان معروفا فى
العرض السينمائي التقليدى كما ان مساحة الشاشة الصغيرة حتى لو 55 بوصة لا تؤدى
للاستحواذ الكامل على المشاهد والضوء المقدس وشفافية شريط السينما متع لا يستطيع
مشاهد الفيديو الوصول اليها لقد تغير وضع
الصناعة ومن ثم تأثرت جماليات فن السينما.
ثم كانت الضربة الموجعة الثانية فى ظهور تصوير
بتقنية الديجيتال فقد ادى ذلك لانتشار فكرة تصوير الفيديو بشكل غير عادى يعبر عن
الاحتفاء بالتقدم التكنولوجى عبر الموبايل والمحمول وهو جهاز فى يد كل البشر وكل
الافراد وانتقلنا من الشاشة الصغيرة الى الشاشة اللاصقة المحمولة لكل فرد قد يشاهدها
فى عربات المترو او المواصلات او اثناء المحاضرات كل هذا انعكس على الصناعة وعلى
تكاليف الانتاج والقدرة على الانتاج من حيث الاتاحة الجبارة لهذه القدرة بفعل
التطور التكنولوجى.
فهناك
اتاحة لا حدود لها فى القدرة على الانتاج ودعمتها زيادة سرعة النت وانتقال
الفيديوهات بسهولة وسرعة فاصبحت هناك فوضى من مقاطع الفيديو الديجيتال تجتاح اى
فرد وتعرض عليه امكانية المشاهدة .
لابد ان هذا كان له أثره فى جماليات الفيلم
السينمائي ذاته واول اثر هو التقلص الزمنى فقد يكون الفيلم مقطع فيديو وتتحول
السينما لفتات من المشاهد والمقاطع الطويلة والقصيرة المنتشرة وتخرج علينا منصات
للمشاهدة فى العالم الخائلى فيصبح الانتاج السينمائي هدفه العرض فى هذه المنصات مع
القطع الضرورى التجارى للاعلانات كل مدة .
الامر
تغير من خصوصية العرض السينمائي التقليدى الى افاق عالم من الفيديوهات المتشظية
المنتشرة .
لكن هذا
حدث بعد ان حدث تراكم لميراث سينمائي وفنى أصيل وميراث اخر للفيديو وافلامه وهذا
الميراث بخصوصيات عرضه القديمة كون وجدانا فنيا للتلقى محددا ومعينا لكل منا
وثقافة وبيئة مشتركه لمجموعات من الافراد عاصروا افلام بعينها سينمائيا او فى عالم
الفيديو فاصبح لهم تراث مشترك وبيئة فنية موحدة اثرت بالطبع على انتاجهم
للفيديوهات وهذا ما استغله تطبيق التيك توك بانه استخدم الاشهر والانسب من هذه
الاعمال لمحاكاه قد تكون ساخرة فى بعض الاحيان وجادة فى احيان اخرى لكن انتاج لكل
فرد يحاكى عمله المفضل دون عناء .
الى هنا ينتهى الجانب الوصفى الى الجانب القييمى من
بحثنا .
لندخل فى
طرح سؤال مازال استطلاعيا حتى الان هل تأثرت السينما كفن وجماليات وليس كصناعة
بهذا التخييل فى العالم الخائلى ؟ هل تأثرت السينما كفن وجماليات بالعالم الخائلى ؟
وها هى قد تأثرت كصناعة اذ تنتج الافلام الان للمشاهدة على منصات وعلى شاشات
مختلفة الابعاد لكن الدراسات فى مجال تأثرها بذلك كفن مازالت محدودة وهذا ما
سنحاول طرح افكارنا وتأملاتنا فيه
وهل أثر
التراث السينمائي القديم لافلام التلقى السينمائي او الفيديوهات على الافراد فى
انتاجهم سواء كان جديدا او محاكاه لمقاطعهم الخاصة المنشورة المعلنة فى عالم
التواصل الاجتماعى ( الثقافى )
1 - التلقائية فى مقابل التخطيط :
يقوم
المخرج السينمائي بأستلام السيناريو الذى أختار تقديمه كفيلم سينمائي وتحويله الى
ما يعرف بالديكوباج اى تحويله لمجموعة من اللقطات بحجم معين وزاوية تصوير معينة
وتعكس تكوين معين وفق نظريات فى اعداد الصورة ثم يعمل على وضع شريط الصوت
بالمؤثرات و الموسيقى التصويرية ثم يعكف بالتواصل مع المصور لانتاج ذلك أى ان هناك
عملية تخطيط دقيق للصورة والصوت قبل الشروع فى العمل .
وإذا قمنا
بزيارة لمكتبة الاسكندرية ودخلنا معرض على ابو شادى ذلك الرائد السينمائي الكبير
لوجدنا مجموعة كبيرة من اللوحات التشكيلية الذى يرسم فيها هذا المخرج لقطاته قبل
الشروع فى تصويرها .
هذا التخطيط يراعى عناصر جمالية فى الصورة وكذلك فى
الاداء وحجم اللقطة وزاوية التصوير ومجال الصورة والتكوين والاضاءة فى الصورة وهو
تفكير فوتوغرافى ان لم يكن تشكيلى فى الاساس .
2 - التزييف
هذا لا
نجده فى مقاطع اليوتيوب فالتصوير يتم غالبا بصورة تلقائية وفى بعض الاحيان عشوائية
وغير مخطط لها بشكل فطرى انسيابى وهذا قد يكون ايجابيا من جانب فى عكس الواقع
وخصوصا وهناك شغف بفكرة الواقع بدت فى تلفزيون الواقع وجماهيريته على عكس البث
التلفزيونى العادى وفى برامج الهوا المفضلة لدى الجمهور فللواقع سطوة رهيبة على
الافراد والجمهور ولكن ذلك يكون على حساب الجماليات الفنية فتعد صورة اليوتيوب فى
نظر البعض تشويها للواقع وعكس غير محكم له اذ هو نوع من التسطيح والتزيف حيث يتم
اللعب بمجال الصورة لتعكس الجزء المطلوب عكسه من الصورة فاحيانا لا يبان وش المؤدى
عبر وضعه خارج مجال الصورة . لكن طريقة التصوير هذه فاضحة للغاية لان الكلوسات
والبيج كلوزات تستخدم بشكل كبير ولا يوجد اعدادات تمهيدية للمتلقى فهو يدخل على
محتوى الفيديو بطريقة فورية مركزية .
3 - تغير اللغة السينمائية الفنية لصالح اللغة التسجيلية
الاخطر من
ذلك هو ضياع المحتوى المتماسك المترابط لمقطع الفيديو كعمل فنى فلا يوجد اى نوع من
العمق الفكرى الذى تعكسه الصورة وكانه محتوى منزوع المحتوى اصلا او يركز على جانب
واحد فى المحتوى دون عكسه فى الصورة فتصبح الصوره فى وادى والكلام فى وادى
والمحتوى فى وادى اخر ولا يوجد محتوى جاد اصلا .
4 - الغرائبية والتحدى والبحث عن الجديد
كما نلاحظ
نزعة للغرائبية وتحدى العقل وتحدى الاخلاق والمجتمع والسخرية من كل شيئ وأى شيئ
دون مراعاه اى محاذير او قيود وكان هذه المقاطع تخرج عن اشخاص لا كبير له .
ورغم ذلك هناك تشجيع من الشركات التكنولوجيا بزيادة هذه
المقاطع وتقيمها من خلال معيار واحد هو عدد المشاهدات وعلى هذا الاساس يتم التقييم
المادى .
فاصبحت وظيفة يوتيوبر شهير تنافس وظيفة الممثل او
الاعلامى نتيجة شغف الناس بتلفزيون الواقع الذى كان مؤشرا على ذلك .
ومازال الباب مفتوح لمزيد من الملاحظات فى هذا الصدد
اما فى الاجابة على السؤال الثانى وهل أثر التراث السينمائي القديم لافلام التلقى
السينمائي او الفيديوهات على الافراد فى انتاجهم سواء كان جديدا او محاكاه لمقاطعهم
الخاصة المنشورة المعلنة فى عالم التواصل الاجتماعى ( الثقافى )
فنحن نقف مذهولين أمام النتائج الغير متوقعة التى وصل
اليها باحث التراث الاجتماعى المصرى سيد عويس وقد أكد سيد عويس أن للثقافة المصرية
اربع روافد تكوينية يمكن ترتيبهم حسب أولويتهم فى الثقافة العامة للمصريين كما يخبرنا
الدكتور سيد عويس
60 % التراث الفنى الوجدانى الذى صنعته الاداب والفنون والاغانى
والسينما
20 % التراث الرسمى المعبر عن نفسه من خلال منطوقات الامثال
والمأثورات الشعبية والحكمة الجماعية المصرية المدونة والشفهية .
10% التراث الثقافى الدينى الاسلامى الوافد من عصر الحضارة
العربية الاسلامية .
10% التراث الغربى الوافد من التنوير والتحديث والتعليم المدنى.
فالثقل كل
الثقل للتراث الفنى الوجدانى الذى تسلل ليصبح مكون من أهم مكونات المصريين
الثقافية ولا شك ان فن السينما يحتل نصيب الاسد فى هذا والاعمال السينمائية
والتلفزيونية الدرامية الخالدة فعند استدعاء صورة ذهنية عن ذوى الاعاقة البصرية
مثلا يتم استدعاء مسلسل الايام لعبقرى التمثيل احمد زكى او فيلم الكيت كات لمحمود
عبد العزيز وكذلك شخصية الشيخ امام
يعيد هذا التراث الثقافى الوجدانى نفسه من خلال مقاطع اليوتيوب فهو الخلفية الاعلى صوتا فى الوجدان المصرى تكاد تشكل بيئة لفظية مشتركة لدى كل المصريين وكل جيل له تيماته الثقافية التى تعبر عن الاعمال التى عاصرها وتأثر بها ويعد الابداع دون نموذج ثقافى محاكى امر صعب فى عالم اليوم لكنه ليس بالمستحيل وخصوصا على هؤلاء الذين شقوا اصعب الطرق الابداعية واصبحو منتشرين ومطلوبين .
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
[1] أنبوبى هو الترجمة الحرفية
ل youtube وهو أشهر التطبيقات على الاطلاق فى العالم الخائلى
الذي يتعامل مع مقاطع الفيديو المصورة أو الافلام
[2] انا افضل تسمية العالم الخائلى عن العالم
الافتراضى او الفضاء السيبرنتيكى ، فالمخايله مفهوم فلسفى و فنى قديم يذكرنا بخيال
الظل والسينما ايضا كتقنية اصلا نوع من التخييل بالضوء عبر لفيلم الشفاف وهو مفهوم
صوفى فلسفى اصيل اذ تصبح الحياة الواقعية ذاتها لدى الانسان الصوفى الزاهد فيها
حياة مخيالية خائلية غير حقيقية وغير ملموسه تخايله وتلاحقه بالمخايله كمساحة حره
بعيده عنه ولا يتعمق فى امساكها او ينظر اليها بجديه فتظل الحياة الدنيا لدى
الصوفى مساحة مخياليه وهذا بالضبط كشعورنا تجاه العالم الرقمى الافتراضى
السيبرنتيكى فهو يلاحقنا كمخيال غير ممسوك وكسراب يؤثر فى حياتنا ولكنه لايلامسها
او يتقاطع معها .
[3] مفهوم الديمقراطية الثقافية
من المفاهيم المعاصرة فى مجال السياسات الثقافية الخاصة برؤية التنشيط الثقافى
المعاصر حيث اتاحة القدرة على الانتاج الابداعى الفنى الثقافى وتسهيل القدرة علي
انتاجه ونشره وذلك لكل الناس والافراد بصرف النظر عن الذوق فمن حق كل انسان ممارسة
الفن والثقافة وهو بخلاف دمقرطة الثقافة التى تعنى اتاحة الوصول للاعمال الفنية
الابداعية الجيدة والمفرزة والمبسترة والمشهورة والعظيمة عبر تنشيط مسارات عرضها
وتوفيرها ففى الديمقراطية الثقافية الاتاحة تكون ايضا للانتاج الابداعى بتسهيل
طرائقه بحيث يستطيع كل فرد دون مبالغة ان يستخدم الابداع الفنى فى التعبير عن ذاته
وتحقيقها بصرف النظر عن معايير الجودة فالاهم هو التواصل بين ثقافة الجميع بالجميع
وباعتبار الممارسات الابداعية الفنية سلوك يومى ومسعى لانسان العصر بعيدا عن
مفاهيم الكفاءة والجودة والموهبة اى تيسير القدرة التقنية على الابداع الفردى
ونشره بحيث يصبح فى متناول كل الافراد كمسعى طبيعى تواصلى للتعبير عن الذات
وتحقيقها .
[4] فلسفة السينما : نحو انطولوجيا الفيلم مدخل فينومينولوجى تأليف : رو برت وود
ترجمة : احمد حمدى
حسن https://freephilosopherreviw.blogspot.com/2021/11/blog-post_88.html

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق