قراءة فى عمل الفنان التشكيلى نبيل يوسف
نعتذر لعدم نشر اللوحات وهى موجودة على الرابط
"انا حافظت على راقصتى الشرقية "
اعداد : أحمد حمدى حسن حافظ
يراهن العمل على قيمة الرقص الشرقى كأحد أهم عناصر الهوية المصرية ، فهناك من يرى ذلك ، وهناك من يرى العكس بدوافع اخلاقية او دينية ، يرى الرقص الشرقى عيب او حرام او عمل غير جاد . وهذا هو الفرق بين من خرجوا يثورون على نظام الاخوان فى 30 يونيو باعتبارهم يدافعون عن الهوية المصرية الاصيلة ، وبين من ايد الاخوان او تعاطف معهم .
لمن لا يعرفه نبيل يوسف أحد أهم الفنانين التشكيلين المصريين المعاصرين ، فى مجال التصوير الفوتوغرافى الملون ، من اتجاه ما بعد الحداثة فى الفنون التشكيلية كما يشير الى ذلك مضمون اعماله ، وهو من مواليد 1974 اى يمثل جيل مواليد السبيعينيات فى مصر الذين يمثلون حوالى 10 % من الهرم السكانى فى مصر ، وبدأ عمله الفعلى الاحترافى 1999 اى فى اواخر التسعينات وبداية الالفية الثانية ، ولقد عرفت هذا الفنان مرتين ، المرة الثانية كانت من خلال وضع عمله " I saved my belly dancer " " انا حميت راقصتى الشرقية " فى بينالى القاهرة الثالث عشر عام 2019 ، كأحد اهم الفنانين التشكلين الذين يمثلون مصر.
اما اللقاء الاول كان من خلال مهرجان النطاق للفنون بوسط البلد 2001 مع ما لهذا المهرجان اهمية خاصة فى صعود فنون ما بعد الحداثة على الساحة الثقافية .
يهمنى ان اعرض العمل الذى اختار لنفسه عنوانا انجليزيا وهو I saved my belly dancer او انا احمى وأؤمن واحافظ على راقصتى الشرقية فكلمة SAVED هى فعل ماضى من الفعل SAVE والذى يعنى التأمين او الحفاظ على او حماية او ابقاء .
والعمل عبارة عن 23 لوحة تضم كل لوحة صورة واحدة وهناك لوحات تضم اكثر من صورة فتوغرافية اللوحة الثالثة فيها 4 صور مرتبة طوليا ، اللوحة الخامسة بها صورتان مرتبين عرضيا اللوحة السابعة والثامنة والتاسعة تحمل6 صور مرتبة عرضيا اللوحة الثالثة عشر ثلاث صور طولية اللوحة 20 صورتان طوليتان . الصور الفوتغرافية الثابته مرتبة فى بناء درامى تصاعدى وكأنه عمل سينمائى بتقنية فوتوغرافية وهناك صور تعكس تسلسل الحركة وهو ما اجادة نبيل يوسف منذ عمله
SERIES فكأننا امام فيلم سينمائى ورواية بتقنية فوتوغرافيه عبر 23 لوحة .
نبدأ فى تحليل الصورة الاولى : وهى هامة لانها لقطة توتاله على حد تعبير المصورين السينمائين وتمهيد لموضوع العمل الذى هو نظرة تأريخية لتاريخ مصر المعاصر من خلال تاريخها الحديث ومحاكاته والذى يعكس الواقع السياسى والاجتماعى لمصر الان .
24 شخص مصطفين فى خط واحد منهم اثنين عساكر من الجيش يرفعون علم مصر الاخضر القديم ابو هلال وثلاث نجوم ، على خلفية تجمع صحراء شرقيه حيث الرمال الصفراء المنسدلة وبحز ازرق غامق وسماء صافية لبنية خالية من السحب ، ينام امامهم فى مركز الصورة على ارض صحراوية رملية شخص معطينا ظهره دائما لانه سيظهر فى صور عديدة يرتدى جلباب مصرى ابيض .
الاشخاص بهم 7 عساكر من الجيش ( عسكرين وراقصه من اليمين وراقصتين وعسكرى من الشمال ، ثم عسكرى وراقصه وعسكرى وراقصتين من اليمين ، وشخصان يرتديان ملابس خليجيه ناظرين لبعض فى شكل تحدى ، ثم راقصة والملك والملكة هذا من اليمين ، من الشمال كما قلنا راقصتين وعسكرين وعروسة وعريس وراقصة وعسكرى وزوج وزوجة فلاحين وراقصة ثم الملكة والملك كل هذا على صف واحد خلفه بحر ازرق هادئ ) 9 راقصات و7 عساكر واثنين خليجين وملك وملكة واربع مواطنين .
يرتبط وجود الراقصة بالعروسة والعريس طبيعيا فهى التى تحى حفل الزفاف او الليلة للعريس والعروسة او الفرح ، وترتبط ايضا الغازية او الراقصة بالزوج والزوجه فهى التى تثير الرجل حتى يضاجع زوجته ، وترتبط ايضا بالملك والملكة فهى ترفه عنهم لانشغالهم بامور السياسة الجدية ، وهناك ارتباط معاصر جدا بين الراقصة والعرب الخليجين ؛ حيث تحى الراقصة حفلات فى الملاهى الليلية بمصر ، يحضرها ويمثل جمهورها الخليجين والعرب الباحثين عن سياحة فى مصر ممتعة ومثيرة ، ومعهم النقود لتحمل تكاليف هذه الحفلات ، اما وجود عساكر الجيش فهو لا يرتبط الا بوجود الملك والملكة ربما لحراستهم .
ووجود شخصين خليجين فى حالة تحدى لبيان الصراع العربى العربى الخليجى الخليجى ربما كما يتمثل بين الامارات وقطر من قديم الازل او بين من يريدونها مدنية واخرون يريدونها اسلامية ، امام كل هؤلاء شاب مصرى ينظر وهو نائم مستسلم تماما لكل من امامه لا يقوم الا بدور المتفرج .
القراءة الرمزية للصورة واسقاطها على الواقع السياسى امر لابد منه لان وضوح الشخصيات بملابس تحدد هويتهم يجبرنا على ذلك .
ماذا سيحدث فى اللوحة الثانىة :
صورة جماعية لسبع عساكر واقفين منهم اثنين يحملون السلاح ، وتسع راقصات جالسين باوضاع مختلفه ومثيرة امامهم ، هذه الصورة تجمع النقيضين الحياة العسكرية والحياة المدنية فى اقصى ميلها نحو الاثارة والمتعه، وهما الاثنين الموجودين وحدهم فى الصورة ويستأثرون على اللوحة برمتها التى تحمل نفس الخلفية فى اللوحة الاولى .
ننتقل للوحة الثالثة :
تجمع اللوحة الثالثة اربع صور منفصلة ، حوت كل صورة منهم على راقصة ، الصورة الاولى عامة الشعب من الفلاحين ؛ زوج وزوجه يستمتعون بالرقص الشرقى، ويضعون ايديهم على خصر الراقصة رغبة فى حمايتها ؛ لانها مفيدة لهم فهى التى تحرك المشاعر الجنسية والرغبات عند الزوج والزوجه . ثم الصورة الثانية حيث تقف الراقصة باحترام مبالغ فيه بين الملك والملك الذين يتعهدون حماية الجميع ويحبون الرقص الشرقى الذى يرفه عنهم امور السياسة الجادة ، الصورة الثالثة للرجلين الخليجين الذى تضع الراقصه يدها عليهم كمصدر للدخل حيث هم اغنياء واثرياء وياتوا اليها طلبا للتمتع برؤية جسدها ورقصها المثير ثم الصورة الرابعة لعروسه وعريس يقفون ووسطهم الراقصة يحمى الرجل (العريس) خصر الراقصة لان تخيلاته عنها ورقصها كان يسرى عنه فى ايام العزوبية ، ومن الطبيعى ان تكون الراقصة فى ليلة العرس لتحى حفل الزفاف .
اللوحة الرابعة :
نحن مازلنا فى مرحلة يقدم فيها الفنان لشخصياته المحورية ، اولا فى لقطة توتاله فى الكادر الاول تحوى علم مصر ، وثانيا فى اللقطة التى تجمع العساكر بالراقصات ، وثالثا فى اللقطة التى تجمع فئات الحدوته ، ورابعا يخصص كادر خاص وطولى ومحورى للشخصية الخليجية ، وهى اشارة لما تلعبه هذه الشخصية سياسيا فى الفترة المعاصرة ، ومن ازدياد نفوذها فى المنطقة العربية نتيجة لثرواتها البترولية الهائلة ، وفى منطقة الشرق الاوسط على وجه الخصوص ، وهو اى نبيل يوسف يصر على تثنية هذه الشخصية وازدواجها بين شخصين ، ربما فى اسقاط على الصراع الدائر بين الدول الخليجية التى تفضل ان يكون الحكم فى الشرق الاوسط مدنيا والاخرى التى تفضل ان يكون الحكم اسلاميا، ربما فى اشارة لشيزوفرينا الشخصية العربية بين تمسكها اللفظى باصوليات تحرم الرقص ، وسلوكها الفعلى باقبال ورغبة فى مشاهدة الرقص الشرقى.
اللوحة الخامسة :
وهى لوحة درامية بعد تقديم الشخصيات حيث يبدأ فى الحكى ، فيموت الجميع ويرتمى على الارض فى عشوائية وفوضى ، والملك يموت وصولجانه مرمى على الارض .
اظن ان اللوحة ترمز للواقع السياسى الفوضوى الذى حدث منذ 25 يناير 2011 والى 3 يوليو 2014 .
. اللوحة السادسة :
تحوى صورتين لعكس الحركة ، وتحتوى علم مصر ويظهر البحر فى الصورة الثانية وتزول مركزية الملك فى الصورة فى الصورة الثانية لتحل محلها مركزية الراقصة التى يختلط ثوبها بعلم مصر وتتسع الصورة حينئذ لتضم البحر المتسع . فى اشارة لعنصر الهوية المصرية المتمثلة فى الرقص الشرقى بكل ما يعنيه من اسقاطات هووية خاصة بالمصريين .
اللوحة السابعة :
تعاد الصورة الاولى لكن الجميع ملقى على الارض ومازال المتفرج متفرج لكن ثمة شخص جديد وهو ما اسميه الضمير، وهو الذى كان متفرجا بنفس زيه وواضح انه ضمير حى فاعل للمتفرج يظهر من الجانب يتأمل الموتى فى صمت .
اللوحة الثامنة : تحاول الراقصة احياء الروح الفاعلة فى ذلك المتفرج فهى تبدو وكأنها تحاول اكتشاف هل هو حى ام ميت ؟ ، و بقوة الحرية الذى تعد الراقصة تميمتها وحركات الرقص الشرقى تحاول احياءه ، وبالشعر الحر المتموج وبوشاح الرغبة الاحمر ، فهى 6 صور توضح فيها حركه ونجد الخلفية تتغير والبحر الذى فى الخلفية بدأ يبزغ فيه الموج ، واللوحة تذكرنا بايزيس وهى تحاول بث الحياة فى اوزوريس زوجها .
اللوحة التاسعة : تخلع بدلة رقصها الصفراء لترتدى بدلة حمراء وبوشاحها الاحمر ترقص فعليا وعنصر الحركة شديد جدا فى هذه الصور السته ، وكانها كانت فى الاول تكتشف هل هو حى ام ميت ؟ اما الان فقد تاكدت من حياته وتحاول بعثه باثارة الرغبة فى الجميل والممتع لديه الرغبة فى الحياة وحبها وتبدأ خلفية البحر فى التفاعل الايجابى وزيادة الامواج .
اللوحة العاشرة : تكمل اللقطة فى كادرات 6 اخرى ولكنها تبدو يائسه فى احد اللقطات حيث تضع يديها على راسها فى خيبة ثم لا تلبس ان تعاود الرقص .
اللوحة الحادية عشر : وفيها ينفصل الفنان عن دراما عمله مؤقتا ليحدثنا عن الرقص الشرقى باعتباره عنصر من عناصر هويتنا مؤكدا عليه ثلاث مرات ! حاشدا كل جماليات التصوير التقليدية فى تاكيد على ان القيمة الجمالية هى التى تتأسس عليها كل القيم الاخلاقية وهى الدين الحقيقى الذى يعكس الجمال .
اللوحة الثانية عشر : يتابع تاكيده على جمالياته الرقص الشرقى مؤكدا على ان الخصر وهز الوسط وحركة البطن وهى من خصائص الرقص الشرقى الذى تميزه على غيره من انواع الرقص ، والتى يرى فيها البعض ميوعة واثارة للغرائز والشهوات ، هى من اجمل ما يكون فى الحياة وبه المعنى الحقيقى للحياة .
اللوحة الثالثة عشر : يعود الفنان لدراما قصته فتظهر خلفية القصة وتظهر ثلاث صور تعبر بحركات عن تجلى للراقصة مع خلفية البحر واحساسنا بانها تصلى وتعلى قيمه اكبر من مجرد هز الوسط او الشهوة الحيوانية المجردة بل شهوه انسانية تعكس قيم سماوية تحب الحياة .
اللوحة الرابعة عشر : تنام الراقصة بزيها الاصفر على الارض مغمضة العينين ربما فاقده للامل فى احياء الفاعلية فى ذلك المتفرج الذى ظل وسيظل متفرج ، وتبدوا راسها مغروسه وسط شعرها المتموج فى حرية وعلى وشاح احمر يعكس الرغبه
اللوحة الخامسة عشر : هذه الصورة هامه جدا لان الراقصة عابسة بوجهها مغطية شعرها بوشاح الرغبة فى اشارة لمصر عندما ارتدت الحجاب اثناء حكم الاخوان
اللوحة السادسة عشر : وها هى الان تخلعه معطية لشعرها الذى هو تاجها حريته الاصلية التى تحب الحياة .
اللوحة السابعة عشر : الضمير الحى الذى تحدثنا عنه فى اللوحة السابعة يعود فى اللوحة السابعة عشر ليقبل الراقصة الشرقية فى فهمها تلك القبلة الرومانسية التى نعتاد ان نشاهدها فى السينما مع كتابة النهاية على الشاشه لتثبت ان النهاية سعيدة ونتخيل بعدها ان الامير تزوج الاميرة وعاشوا فى تبات ونبات واثمروا . هل هذا الضمير هو المتفرج وقد قام فعلا ليكون فعالا ام انه شخصية خيالية لا وجود لها الا فى مخيلتنا لكنه اكيد موجود ونلاحظ فى هذه الصورة ظهور الشمس وتجليها باضوائها منعكسة على سطح البحر فى جمال ما بعده جمال وتختفى الصحراء تماما .
اللوحة الثامنة عشر : ستختفى رأس هذا الفعال من المشهد اثناء احتضانه للراقصة وستظهر الارض الرملية القاحلة مرة اخرى لنعود للواقع وهذا تمهيد للوحة التاسعة عشر
اللوحة التاسعة عشر : وستزدوج الشخصية بين ضمير حى وحقيقة متفرجة ويظهر المتفرج ثانيا .
اللوحة العشرين : وهنا سيظهر شخص غريب لم يكن معنا منذ البدء وهو الرجل الغربى راعى البقر ، فتنظر له الراقصة بتحدى وشموخ وتتغير الخلفية لتعكس صحراء غربية امريكية حمراء اللون .
اللوحة الواحدة والعشرون :وسيأخذها ( الرجل الغربى سيأخذ الراقصة ) على حصانه الابيض العربى ويستحوذ عليها مخرجا اياها من المشهد كله .
اللوحة الثانية والعشرون : ويمضى تاركا المتفرج متفرجا
اللوحة الثالثة والعشرون : حيث تغرب الشمس فى صحراء غربية امريكية بها نباتات قاحلة وهى صورة النهاية صورة خالية من الاشخاص .
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
.jpg)