الغراب و التغريب و الغربة
انشودة للأغتراب .. مصطفى سعيد نموذجا
قراءة نقدية فى رواية " الطيب صالح
" " موسم الهجرة الى الشمال "
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ
(1)
عبارة ملهمة :
فى أول الرواية على لسان الراوى الذى ابتعد عن وطنه سبع سنوات
للدراسة :
" تعلمت
الكثير ، وغاب عنى الكثير "ص5
آه من الفكر الفرنسى وجدلية الحضور والغياب عند دريدا
آه من التعلم كفعل أكاديمى فى مقابل التعلم كخبرة حياتية
آه من نظرة عميقة لتلك العبارة رآيتها فى عين ذواقه خبيرة
نظرة اغتراب
(2)
نغمة غربة :
" أحسست
كأن ثلجا يذوب فى دخيلتى ، فكأننى مقرور طلعت عليه الشمس .ذاك دفء الحياة فى
العشيرة ،فقدته زمانا فى بلاد " تموت من البرد حيتانها " . تعودت أذناى
أصواتهم ، وألفت عيناى أشكالهم من كثرة ما فكرت فيهم فى الغيبة ، " ص 5
(3)
قصة الغراب :
جلس يحكى لى حكاية شاهدها وهو طفل فى فيلم كرتون " غراب
اسود اللون كل مناه من الدنيا ان يعيش وسط الغربان البيضاء فيقرر ذات يوم طلاء
جسده بدقيق ابيض ويطير الى حيث تسكن الغربان البيضاء ، ويكتشف الغربان البيضاء
امره بعد سقوط المطر فبسهولة زائدة تتضح هويته الحقيقية بكونه من الغربان السوداء
، فيظل الغربان البيض يضربونه وينتفون
ريشه ، وعندما قرر العودة حيث بنى جلدته من الغربان السوداء اخذوا يضربونه
وينتفون ريشه ايضا ، فلم يجد الغراب غير ان يلقى نفسه فى النهر ليموت غرقا "
كان يقول لى تلك القصة لينحينى ويثنينى عن فكرة الهروب من مشكلات وطنى الطاحنة
التى لا حد لها ! الى حيث بلاد واوطان للانسان تمتلئ بالعسل و اللبن و النساء و الدولار
، الى حيث بلاد الغرب حيث " وجه الشمس يعانق ارض الحرية " ، هل حقا اذا
نجحت بعد معاناه فى الوصول الى احدى البلاد الغربية والتجنس بجنسيتها سأشعر بسهولة
بانى استبدلت وطنى باخر ام ان الوطن الذى هو الموطن الاصلى للأم لا هروب منه وسيظل
بداخلى ليشعرنى بغربة عن وطنى الجديد الذى اخترته بصعوبة , وكيف لى اذن ان اهرب من
وطنى وموطنى وامى دون غربة او حنين ؟
(4)
معنى الوطن :
الوطن ليس بلد المنشأ بل حضن الأم الذى تتماهى فيه ذاتى
وكينونتى واناى لتصبح امتداد لجسد اكبر يرعى ويدعم ويرضع ويدفئ ، والاب هو مساحة
الانفصال والغربة لتوريطى فى العالم ودسى فيه وادراك ذاتى كانا مستقله ، الاب هو
الذى نريد قتله لانه يورطنا فى انا مختلفه عن ذات الام ، كل الاوطان مؤنثة وكل انا
مذكرة .
(5)
جنة الانا وحقيقة النحن :
لعلى عانيت كثيرا فى ادراك معنى ان تصبح الانا ذائبة فى النحن
او معبرة عنه : الانا و الذات و الفرد فى مقابل النحن و الجمع و المجتمع والحشد
الزائف ، تتحدد الانا من خلال هذه المقابلة وتلك المغايرة ، فالانا
لن تكون ابدا هى النحن استحالة ! ان الانا جنتى وسلوتى ومقر رغبتى ولذتى .
مهما قال لكم هيجل عن الذات وجدل الذوات الذى يصنع النحن المطلق
، حين تصبح الذات تعبيرا صادقا عن انا مجتمعية اكبر ، ومهما قال عن ان الانا
بسعيها لاعتراف الاخر بها تحقق جدل السيد والعبد الذى يصنع التاريخ !
ومهما قال لكم علماء الاجتماع من البنيويين عن ان البنية والنسق
اى النحن كحقيقية هما فقط الموجودون وجودا واقعيا وانه لا وجود لانا تصنع التاريخ
او تحرك المجتمع .
على ابسط تقدير فان اناى تشعر بقمع دائم من نحن الذى يتكلم عنها
هيجل او البنيويون
وخصوصا ذلك القمع الابوى التى تتميز به نحن مجتمعنا الشرقى
وتسعى اناى لجنة الانا كما فى الغرب فردية
وحرية وذات لذية منكفية على نفسها فى خصوصية ، انها الليبرالية الانا تملك وتشارك
فى الحكم انها الديمقراطية .
(6)
عصفور صايع !
هل يوجد عصفور صايع او ليس العصفور رمزا للحرية والانطلاقة ،
لماذا اذن يطير فى جماعته ولا يفارقها يهاجر معها الى اى ارض ، لان وطنه ليس عشه
ومكانه ولكن جماعته ونحنيته .
(7)
كل ما فات من هذيان تأملى كان محوره شخص ما عرفته عن قرب اسمه
مصطفى سعيد . يقول هذا المصطفى عن نفسه : " نشأت يتيما ، فقد مات أبى قبل أن
أولد ببضعة أشهر ( لن تحتاج لقتله اذن يا سعيد ) ،....حين أرجع الآن بذاكرتى ،
أراها بوضوح ، شفتاها الرقيقتان مطبقتان فى حزم ( هل فقدت امك نطقها يا سعيد
؟) ، وعلى وجهها شئ مثل القناع ( هل وجه
امك كان زائف يا سعيد ) .لا أدرى . قناع كثيف ( اين امك يا سعيد ؟!) ، كأن وجهها
صفحة بحر ، هل تفهم ؟ ليس له لون واحد بل الوان متعددة ، تظهر وتغيب وتتمازج .(
تتمادى فى فقدك وافتقادك لامك يا سعيد )
( الان فقط سأقول يا سعيد انت بلا وطن . ) ومازال سعيد يقول عن امه : لم يكن لنا
أهل .كنا ، أنا وهى ، أهلا بعضنا البعض . كانت كأنها شخص غريب (امك شخص غريب يا
سعيد يالا عمق غربتك ! ) جمعتنى به الظروف صدفة فى الطريق . لعلنى كنت مخلوقا غريبا ، أو لعل أمى
كانت غريبة .لاأدرى . لم نكن نتحدث كثيرا ، وكنت ، ولعلك تعجب ، أحس إحساسا دافئا
بأننى حر ، بأنه ليس ثمة مخلوق أب أو أم ، يربطنى كالوتد إلى بقعة معينة ومحيط
معين . كنت أقرأ وأنام ، أخرج وأدخل ،العب خارج البيت ، أتسكع فى الشوارع ، ليس
ثمة أحد يأمرنى أو ينهانى . الا أننى منذ صغرى ، كنت أحس بأننى ...أننى مختلف .
أقصد أننى لست كبقية الأطفال فى سنى ،( طبيعى يا سعيد فانت كتله من الغربة بلا اى
حنين بلا اى ام ) لا أتأثر بشئ لا أبكى
إذا ضربت ،لا أفرح أذا أثنى على المدرس فى الفصل ، لا أتألم لما يتألم له الباقون
. كنت مثل شئ مكور من المطاط ( انت حقا شئ يا سعيد !) ،تلقيه فى الماء فلا يبتل ، ترميه على الارض
فيقفز .كان ذلك الوقت أول عهدنا بالمدارس أذكر الآن الناس كانوا غير راغبين فيها
.كانت الحكومة تبعث أعوانا يجبون البلاد والاحياء ،فيخفى الناس أبناءهم . كانوا
يظنونها شرا عظيما جاءهم مع جيوش الاحتلال . " ص 27 -28 . يتحدث سعيد عن
طريقة امه فى توديعه لرحلته الى الشمال : "افترت شفتاها لحظة كأنها تريد أن
تبتسم ،ثم أطبقتهما ، وعاد وجهها كعهده ،قناعا كثيفا ،بل مجموعة أقنعة . ثم غابت
قليلا وجاءت بصرة وضعتها فى يدى " ص32 . " لا دموع لا قبل ولا ضوضاء .
مخلوقان سارا شطرا من الطريق معا ، ثم سلك كل منهما سبيله . ص32
عندما يعطينا الطيب صالح هذه المعطيات التكونية عن شخصية مصطفى
سعيد والتى نلاحظ فيها فقد الام فانما ذلك بمثابة تمهيد ذو بنية سيكولوجية لتقبل
شخص مجرم يسعى لتأكيد ذاته الذكوية عبر قتل الام فى اى تمثل لها فى لحظات متعاقبة
من حياته ، ربما يرى البعض انه تمهيد لشخص حيادى تماما لا وجود لعواطف لديه ، لكن
ذلك لا يبعدنا عن التأهب لانتظار جريمة كبرى يتسبب بها مجرم ذو تكوين سيكوباتى
عميق .
(8)
فى التفاتة خطيرة تظهر الأم المثيرة جنسيا " مسز روبنسن
" : "أحسست بذراعى المرأة تطوقاننى ،وبشفتيها على خدى .فى تلك اللحظة ،
وأنا واقف على رصيف المحطة ، وسط دوامة من الاصوات والأحاسيس ، وزندا المرأة
ملتفان حول عنقى ، وفمها على خدى ، ورائحة جسمها ، رائحة أوروبية غريبة ، تدغدغ
أنفى ، وصدرها يلامس صدرى ، شعرت وأنا الصبى ابن الاثنى عشر عاما بشهوة جنسية
مبهمة لم أعرفها من قبل فى حياتى . ص34
"أفعل كل
شئ حتى أدخل المرأة فى فراشى .ثم أسير إلى صيد آخر . "39ص
كل النساء عند مصطفى سعيد نساء فلاندرز :
" هؤلاء
نساء فلاندرز
ينتظرن الضائعين ،
ينتظرن الضائعين الذين أبدا لن يغادروا الميناء ،
ينتظرن الضائعين الذين أبدا لن يجئ بهم القطار ،
إلى أحضان هؤلاء النسوة ،ذوات الوجوه الميتة ،
ينتظرن الضائعين ،الذين يرقدون موتى فى الخندق والحاجز والطين
فى ظلام الليل .
هذه محطة تشارنغ كروس .الساعة جاوزت الواحدة .
ثمة ضوء ضئيل
ثمة ألم عظيم "." ص20-21
المجرم فى القفص :
"هل تسبب
فى انتحار آن همند ؟"
"لا أدرى ".
"وشيلا
غرينود ؟ "
"لا أدرى".
"وإيزابيلا
سيمور ؟".
"لا أدرى ".
"هل قتلت
جين مورس ؟"
"نعم ".
" قتلتها
عمدا ؟"
"نعم
" . ص 42
الدفاع :
" مصطفى
سعيد يا حضرات المحلفين إنسان نبيل ، استوعب عقله حضارة الغرب ، لكنها حطمت قلبه .
هاتان الفتاتان لم يقتلهما مصطفى سعيد ولكن قتلهما جرثوم مرض عضال أصابهم منذ ألف
عام ". ص43
مرض عضال :
إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروربى الأكبر الذى لم يشهد
العالم مثيله من قبل فى السوم وفى فردان ، جرثومة مرض فتاك أصابهم منذ أكثر من ألف
عام " 117
وهذا تواطئ مضمر فى الرواية وفكرة مسيطرة على الراوى بل انه
الخط النامى المشكل لشخصية الراوى فالراوى يبدأ مقتنعا بالاتى :
" مثلنا
تماما . يولدون ويموتون وفى الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلاما بعضها يصدق
وبعضها يخيب .يخافون من المجهول ، وينشدون الحب ، ويبحثون عن الطمأنينة فى الزوج
والولد .فيهم أقوياء ، وبينهم مستضعفون ، بعضهم أعطته الحياة أكثر مما يستحق ،
وبعضهم حرمته الحياة . لكن الفروق تضيق وأغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء " ص 8
ثم ينتهى به الامر كالاتى وهو يحرق غرفة مصطفى سعيد السرية :
واشعلت النار فى البساط الناعم تحت قدمى ولبثت اراقبها وهى
تلتهم ملكا فارسيا على جواد يسدد رمحة نحو غزال يعدوا مبتعدا ص 162 لا يوجد كتاب عربى واحد .مقبرة .ضريح
.فكرة مجنونة .سجن . نكته كبيرة .كنز . ص164
صورة للحظة اكتشاف الغرفة المحملة لايدلوجية الكيان الفكرى
الغربى
" ورأيت
إلى يمين الديوان غرفة من الطوب الأحمر ، مستطيلة الشكل ، ذات نوافذ خضراء . سقفها
لم يكن مسطحا كالعادة ولكنه كان مثلثا كظهر الثور ." ص 17 – 18
ان الطيب ينتقد الحضارة الغربية عبر شخصية مصطفى سعيد قائلا
" رغم تفوقك العلمى ، رجل غبى . إنك
فى تكوينك الروحى بقعة مظلمة ،لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس :طاقة
الحب ". ص69
كما يقول مصطفى للراوى
" نحن هنا لا حاجة لنا بالشعر .لو أنك درست علم الزراعة أو الهندسة أو
الطب ،لكان خيرا "" ص14
وفى تبرئتهم لمصطفى سعيد يسخر من الغرب قائلا :
"كأنهم
أرادوا أن يقولوا :انظروا كم نحن متسامحون ومتحررون ! هذا الرجل الافريقى كأنه
واحد منا ! إنه تزوج ابنتنا ويعمل معنا على قدم المساواة ، هذا النوع من
الأوروبيين لا يقل شرا ، لو تدرون ، عن المجانين الذين يؤمنون بتفوق الرجل الأبيض
فى جنوبى أفريقيا " ص 74
الغرب بين القوة والضعف
"فأحسست
بالمزيج الغريب من القوة والضعف فى وجه الرجل .كان فمه رخوا ،وكانت عيناه ناعستين
، تجعلان وجهه أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة .ويتحدث بهدوء ، لكن صوته واضح
قاطع . حين يسكن وجهه يقوى . وحين يضحك يغلب الضعف على القوة . ونظرت إلى ذراعيه
،فكانتا قويتين ، عروقهما نافرة ،لكن أصابعه كانت طويله رشيقة ، حين يصل النظر
إليهما بعد تأمل الذراع واليد ، تحس بغته كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادى ."
ص 12 -13
الحكم الغاشم يستدعى مصطفى سعيد كغرب :
"كان جدى
يحدثنى عن حاكم غاشم ، حكم ذلك الإقليم أيام الأتراك . ولست أعلم ما الذى دفع
بمصطفى إلى ذهنى ،" ص11
قالوا عن مصطفى سعيد
محجوب ""مصطفى رجل عميق ""ص18
"لم يكن
ثمة أدنى شك فى أن الرجل من عجينة أخرى ،" ص19
مصطفى سعيد هو فى الحقيقة نبى الله الخضر . يظهر فجأة ويغيب
فجأة . والكنوز التى فى هذه الغرفة هى كنوز الملك سليمان حملها الجان الى هنا .
وأنت عندك مفتاح الكنز " 132
" هذا المصطفى
سعيد لا وجود له . إنه وهم ،أكذوبة . وإننى أطلب منكم أن تحكموا بقتل الاكذوبة
". ص43
" هذا زور
وتلفيق .قتلتهما أنا .؟أنا صحراء الظمأ . انا لست عطيلا .أنا أكذوبة . لماذا لا
تحكمون بشنقى فتقتلون الأكذوبة !" ص43 -44
إنه منح قدرا عظيما من الذكاء ولكنه حرم الحكمة . أنه أحمق
ذكى 136
الجهات الاربعه لعبة المخيال المكانى المحمل أيدلوجيا :
" النخلة
القائمة فى فناء دارنا ،.... أننى لست ريشة فى مهب الريح ، .... مخلوق له أصل ،له
جذور له هدف ." ص 6 النخلة رمز
الثقافة العربية كيان حيوى له جذور واهداف .
"أحس اننى
مهم ،واننى مستمر ، ومتكامل ."لا...لست أنا الحجر يلقى فى الماء ، لكننى
البذرة تبذر فى الحقل "" ص 10 البذرة لا الحجر كيان حيوى لا كيان أصم
اللانهائية واللامعنى كقمة للاغتراب :
أحسست توا بإلفة غامرة للبحر .إننى أعرف هذا العملاق الأخضر
اللامنتهى ،كأنه يمور بين ضلوعى . واستمرأت طيلة الرحلة ذلك الإحساس فى أنى فى لا
مكان ، وحدى ، أمامى وخلفى الأبد أو لا شئ وصفحة البحر حين يهدأ سراب آخر ،دائم
التبدل والتحول ، مثل القناع الذى على وجه أمى . " ص36
وأنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع ص 40
كل احداث الرواية فى مكان يجرى فيه النهر من الغرب للشرق
" أقضى
شهرين كل سنة فى تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل . النهر بعد أن كان يجرى من
الجنوب إلى الشمال ، ينحنى فجأة فى زاوية تكاد تكون مستقيمة ، ويجرى من الغرب إلى
الشرق . المجرى هنا متسع وعميق ، ووسط الماء جزر صغيرة مخضرة ، تحوم عليها طيور
بيضاء . وعلى الشاطئين غابات كثيفة من النخل ، وسواقى دائرة ، ومكنة ماء من حين
لآخر . "
كل يجرى للشمال :
" و النهر
، النهر الذى لولاه لم تكن بداية ولا نهاية ، يجرى نحو الشمال ، لا يلوى على شئ ،
قد يعترضه جبل فيتحه شرقا ، وقد تصادفه وهدة من الأرض فيتجه غربا ولكنه عاجلا أو
آجلا يستقر فى مسيره الحتمى ناحية البحر فى الشمال ." ص87
قصة حياة مصطفى سعيد
الاهداء " الى الذين يرون بعين واحدة ويتكلمون بلسان واحد
ويرون الاشياء اما سوداء أو بيضاء ،اما شرقية أو غربية 179-180
خلاصة الرواية :
دخلت الماء عاريا تماما كما ولدتنى امى .أحسست برجفة أول ما
لمست الماء البرد ، ثم تحولت الرجفة الى يقظة
وأخذت أسبح نحو الشاطئ الشمالى 197
ازال ممسكا بخيط رفيع واهن : الإحساس بأن الهدف أمامى لا تحتى
فاذا أنا فى منتصف الطريق بين الشمال والجنوب . لن أستطيع المضى
ولن أستطيع العودة
هل نحن فى موسم الشتاء أو الصيف ؟
هل هى رحلة أم هجرة ؟ وأحسست أننى أستسلم لقوى النهر الهدامة
.أحسست بساقى تجران بقية جسمى الى اسفل . وفى لحظة لا أدرى هل طالت أم قصرت تحول
دوى النهر الى ضوضاء مجلجلة ، وفى اللحظة عينها لمع ضوء حاد كأنه لمع البرق . ثم
ساد السكون والظلام فترة لا أعلم طولها ، بعدها لمحت السماء تبعد وتقترب والشاطئ
يعلو ويهبط . وأحسست فجأة برغبة جارفة ألى سيجارة . لم تكن مجرد رغبة . كانت جوعا
. كانت ظمأ . وقد كانت تلك لحظة اليقظة من الكابوس استقرت السماء واستقر الشاطئ
وسمعت صوت مكنة الماء ، وأحسست ببرودة الماء فى جسمى . كأن ذهنى قد صفا حينئذ ،
وتحددت علاقتى بالنهر اننى طاف فوق الماء ولكننى لست جزءا منه ( الماء يبحر نحو
الشمال ) فكرت اننى اذا مت فى تلك اللحظة فإننى أكون مت كما ولدت ، دون ارادتى .
طوال حياتى لم أختر ولم أقرر .أننى اقرر الان اننى أختار الحياة .
سأحيا لان ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن ولأن
على واجبات يجب أن أؤديها لا يعنينى إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى . وأنت
كنت لا أستطيع ان اغفر فسأحاول أن أنسى سأحيا بالقوة والمكر . وحركت قدمى وذراعى
بصعوبة وعنف حتى صارت قامتى كلها فوق الماء .
وبكل ما بقيت لى من طاقة صرخت ، وكاننى مثل هزلى يصيح فى مسرح :
"النجدة .النجدة ". 200
ان قصة موسم الهجرة للشمال هى قصة جريمة غريبة جدا عن أرض
الجنوب تحدث بفعل عدوى اتية من الشمال ينقلها شخص بلا وطن انه قصة لعب جغرافى
ايدلوجى بالمخيال المكانى يعمق النمو الرأسى و يخشى اتساع المدارات الافقية
هناك رأيان ووجهتا نظر عن القصة
الاولى ترى ود الريس انعكاس لمصطفى سعيد ونحن نراه مصابا مجرد
مصابا لعدوى نقلها اليه مصطفى سعيد
الثانية ترى القصة تتحدث عن الاغتراب الانسانى عموما فى اى مدار
جغرافى وكم هو مدمرا . و ان موضوع التغريب مقحم عليها قحما
انعكاس ام عدوى
" وسألنى
ود الريس :"هل صحيح أنهم لا يتزوجون ولكن الرجل منهم يعيش مع المرأة بالحرام
؟ " ص7
ص 53
" وتذكرت
وأنا أعبر رقعة الرمل التى تفصل بين بيت ود الريس وبيت جدى ، تلك الصورة التى
رسمها مصطفى سعيد ، تذكرتها بنفس إحساس الخجل الذى اعترانى حين سمعت مناغاة ود
الريس مع زوجته . فخذان بيضاوان مفتوحان .
ص 61 -62 .
"وملس ود الريس شاربيه المقوسين بعناية إلى أعلى ،
طرفهما كحد الإبرة ،ثم أخذ يمسح بيده اليسرى لحيته الغزيرة البيضاء التى تلبس وجهه
من الصدغ إلى الصدغ ، ويتنافر لونها الأبيض الناصع من سمرة وجهه كلون الجلد
المدبوغ ، فكأن اللحية شئ صناعى ألصق بالوجه . ويختلط بياض اللحية دون مشقة ببياض
العمة الكبيرة ،مقيما إطارا صارخا يبرز أهم معالم الوجه :العينين الجميلتين
الذكيتين ، والانف المرهف الوسيم . وود الريس يستعمل الكحل متذرعا بأن الكحل سنة
،لكننى أظن أنه يفعل ذلك زهوا .كان فى مجموعه وجها جميلا ، خاصة إذا قارنته بوجه
جدى الذى ليس فيه شئ يميزه ، ووجه بكرى وهو كالبطيخة المكرمشة . وواضح أن ود الريس
يدرك ذلك ، وقد سمعت انه كان فى شبابه آية
فى الحسن ، وأن قلوب الفتيات كانت تخفق بحبه قبلى وبحرى ،أعلى النهر وأسفله .كان
كثير الزواج والطلاق لا يعنية فى المرأة انها امرأة ، يأخذهن حيثما اتفق ويجيب اذا
سئل :"الفحل غير عواف " ص 98
ود الريس : " قبيلتكم هذه لا خير فيها .أنتم رجال المرأة
الواحدة – لايس فيكم غير عمك عبد الكريم ذلك هو الرجل ". 99
ود الريس : دعك من بنات البلد يا بنت مجذوب . النسوان البرانيات
، هؤلاء هن النساء 118
قال وعيناه الذكيتان لم تعودا ذكيتين ، أصبحا كرتين من الزجاج
قد استقرتا على حالة واحدة جامدة :" لن أتزوج غيرها . ستقبلنى وأنفها صاغر .
هل تظن أنها ملكة أو أميرة ؟ الأرامل فى هذا البلد أكثر من جوع البطن . تحمد الله
أنها وجدت زوجا مثلى ".
وقد رسمهم مصطفى مصطفى سعيد بوضوح رؤية وبعطف يقرب من الحب .
ووجه ود الريس يتردد أكثر من الباقين . ثمانية رسوم لود الريس فى تعابيير مختلفة .
لماذا اهتم بود الريس كل هذا الاهتمام ؟ " ص 180
انا ، مثله ومثل ود الريس وملايين آخريين ، لست معصوما من
جرثومة العدوى التى يتنزى بها جسم الكون . ص 128
عنصر شرقى للجريمة :
" هذا
البلد فيه الرجال قوامون على النساء " 120 121
وقال محجوب : " الدنيا لم تتغير بالقدر الذى تظنه . تغيرت
أشياء . طلمبات الماء بدل السواقى ، محاريث من حديد بدل محاريث من الخشب . أصبحنا
نرسل بناتنا للمدارس . راديوهات . أوتومبيلات . تعلمنا شرب الويسكى والبيرة بدل
العرقى والمريسة . لكن كل شئ كما كان ". وضحك محجوب وهو يقول :" الدنيا
تتغير حقيقة حين يصير أمثالى وزراء فى الحكومة " وأضاف وهو مازال يضحك : وهذا
طبعا من رابع المستحيلات ". ص 123
يا للجرأة وفراغة العين
. " نساء آخر زمن " وكله كوم والفعل القبيح الذى فعلته كوم
جدى
لعنة الله على النسوان . النسوان أخوات الشيطان . ود الريس ، ود
الريس "
رحمة الله عليك يا ود الريس اللهم اغفر له وتغمده برحمتك
كان رجل عديم النظير ، دائما يضحك ، دائما تجده وقت الشدة . لم
يطلب منه أحد حاجة وقال لا ليته سمع كلامى . ينتهى هذه النهاية . لا حول ولا قوة
الا بالله
اول مرة يحصل شئ مثل ذلك فى البلد منذ خلقه الله . محن أخر زمن
" ص 149
ماذا أفعل انا أو غيرى أذا كان العالم قد اصيب بالخبل ؟ واتضح
ان جنون بنت محمود ليس مثله فى الاولين ولا الاخرين
الجريمة :
"عض حلمة
نهدها حت قطعها . الدم يسيل من شفتها السفلى .لا حول ولا قوة الا بالله . وود
الريس مطعون اكثر من 10 طعنات . طعنته فى بطنه وفى صدره وفى محسنه " 152
لا يوجد عدل فى الدنيا ولا اعتدال ص 168
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر